أخبار اريترياإثيوبيااريترياالقرن الأفريقيترجماتتقاريرسياسة
أخر الأخبار

صراع الموانئ يعيد رسم التحالفات في القرن الأفريقي.. واتفاق بريتوريا يتحول إلى ورقة في المواجهة بين إثيوبيا وإريتريا

بعد نحو أربع سنوات على اتفاق السلام الذي أنهى الحرب الواسعة في تيغراي، لا تزال ملفات السلاح والأراضي والقوات الإريترية عالقة. وفي الخلفية، يتصاعد خلاف أكثر خطورة: طموح إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر، ومخاوف إريتريا من أن يتحول الحديث عن ميناء عصب إلى مطالبة بأراضيها.

رصد اريتريا | أديس أبابا – أسمرة

عندما وقّعت الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي اتفاق بريتوريا في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، بدا أن واحدة من أكثر حروب القرن الأفريقي دموية تتجه أخيرًا إلى نهايتها.

لكن توقف المعارك لم يؤدِ إلى تسوية كاملة للصراع.

فبعد سنوات من الاتفاق، لا تزال قضايا جوهرية بلا حل: نزع سلاح قوات تيغراي لم يكتمل، والقوات الأجنبية وغير الفيدرالية لم تنسحب بصورة كاملة، وغرب تيغراي لا يزال خارج إدارة سلطات الإقليم، فيما يستمر نزوح مئات الآلاف.

وفي الوقت نفسه، برز عامل جديد يعيد تشكيل الأزمة: التوتر المتزايد بين إثيوبيا وإريتريا بشأن الوصول إلى البحر الأحمر، ولا سيما ميناء عصب الإريتري.

وبذلك لم يعد اتفاق بريتوريا مجرد إطار لإنهاء حرب تيغراي، بل أصبح جزءًا من صراع استراتيجي أوسع تتداخل فيه الحدود والموانئ والسيادة والتحالفات الإقليمية.

سلام قائم على الورق

نص اتفاق بريتوريا على نزع سلاح قوات تيغراي، وانسحاب القوات الأجنبية والقوات غير التابعة للجيش الفيدرالي من الإقليم، واستعادة النظام الدستوري، ومعالجة النزاعات الإقليمية وفق الأطر القانونية والدستورية.

وقد تحقق جزء من هذه الالتزامات.

عادت الخدمات الفيدرالية، وتوقفت العمليات العسكرية واسعة النطاق، وشُكلت إدارة مؤقتة في تيغراي.

لكن العناصر الأكثر حساسية في الاتفاق ظلت معلقة.

وهذا الواقع أنتج حالة يمكن وصفها بأنها سلام بلا تسوية نهائية: الحرب الكبرى توقفت، لكن الأسباب السياسية والأمنية التي غذتها لم تختفِ.

عصب يعود إلى قلب المعادلة

منذ استقلال إريتريا عام 1993، أصبحت إثيوبيا أكبر دولة حبيسة من حيث عدد السكان في المنطقة، وتعتمد بصورة كبيرة على جيبوتي في تجارتها الخارجية.

لكن الأمر لم يكن دائمًا كذلك.

فميناء عصب الإريتري كان لسنوات منفذًا رئيسيًا لإثيوبيا، قبل أن تؤدي الحرب الحدودية بين البلدين بين عامي 1998 و2000 إلى قطع تلك العلاقة.

واليوم يعود الميناء إلى قلب الخطاب السياسي الإثيوبي.

يرى رئيس الوزراء آبي أحمد أن دولة يقترب عدد سكانها من 150 مليون نسمة لا يمكن أن تبقى رهينة ما وصفه بـ«السجن الجغرافي».

ويتراوح الخطاب الإثيوبي بشأن البحر الأحمر بين المطالبة بمنفذ تجاري مضمون، والحديث عن حقوق تاريخية مرتبطة بعصب.

لكن ما يمكن أن يُقدَّم في أديس أبابا باعتباره قضية أمن اقتصادي واستراتيجي، يُقرأ بطريقة مختلفة تمامًا في أسمرة.

بالنسبة إلى إريتريا.. المسألة سيادة

بالنسبة إلى الحكومة الإريترية، لا يمثل عصب مجرد أصل اقتصادي أو ميناء تجاري.

الساحل الإريتري جزء أساسي من السيادة التي حصلت عليها البلاد بعد حرب استقلال استمرت ثلاثة عقود.

ولهذا فإن أي خطاب إثيوبي يربط الوصول إلى البحر بـ«حقوق تاريخية» يمكن أن يُفهم في أسمرة باعتباره تجاوزًا لمسألة الاستخدام التجاري للموانئ نحو التشكيك في الحدود والسيادة الإريترية نفسها.

ومن هنا يصبح الخلاف حول عصب مرتبطًا مباشرة بالوضع في تيغراي.

فالمنطقة تقع على الحدود مع إريتريا، وقواتها لم تنزع سلاحها بالكامل، فيما انهار التحالف الذي جمع أديس أبابا وأسمرة خلال حرب تيغراي بعد اتفاق بريتوريا.

عدو الأمس قد يصبح ورقة اليوم

كانت إريتريا والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي خصمين تاريخيين، وخاضتا مواجهات دامية على مدى عقود.

لكن التغير في العلاقة بين أسمرة وأديس أبابا أعاد ترتيب الحسابات.

ظهرت تقارير واتهامات إثيوبية تتحدث عن اتصالات أو تنسيق محتمل بين إريتريا وأطراف في تيغراي، في حين نفت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وجود تنسيق من هذا النوع.

ولا يوجد إعلان رسمي عن تحالف بين الجانبين.

ومع ذلك، فإن مجرد احتمال حدوث تقارب تكتيكي يغير ميزان الحسابات.

بالنسبة إلى إريتريا، يمكن لاستمرار الأزمات الداخلية الإثيوبية أن يقلل قدرة أديس أبابا على توجيه مواردها السياسية والعسكرية نحو ملف البحر الأحمر.

فإثيوبيا التي تواجه اضطرابات أو نزاعات في أمهرا وأوروميا وتيغراي ستكون أقل قدرة على تحمل مواجهة إضافية مع إريتريا.

وفي المقابل، تستطيع أديس أبابا استخدام الاتهامات المتعلقة بعلاقة تيغراي بإريتريا لتصوير عدم نزع السلاح باعتباره قضية تتجاوز التمرد الداخلي إلى تهديد للأمن القومي مدعوم من الخارج.

«تسيمدو».. المصطلح الذي يثير قلق أديس أبابا

في النقاشات السياسية المحلية ظهر مصطلح تِغريني هو «تسيمدو – Tsimdo» للإشارة إلى التعاون المزعوم بين إريتريا والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي.

ولا يزال حجم هذا التعاون، بل ووجوده بالشكل الذي تصفه بعض الأطراف، موضع خلاف.

لكن أهمية المسألة لا تكمن فقط في إثبات وجود تحالف رسمي.

فمجرد اعتقاد الأطراف بإمكانية حدوثه يمكن أن يؤثر في قراراتها العسكرية والسياسية.

وهنا تصبح تيغراي جزءًا من معادلة ردع أوسع بين أسمرة وأديس أبابا.

معضلة السلاح

كان من المفترض أن يسير نزع سلاح قوات تيغراي بالتوازي مع انسحاب القوات الأجنبية وغير الفيدرالية.

لكن هذه المعادلة تعطلت.

ومن منظور تيغراي، يطرح سؤال أساسي نفسه: لماذا تتخلى قوات الإقليم عن سلاحها بالكامل بينما لم تُحل قضية غرب تيغراي، ولم تختفِ جميع التهديدات الأمنية المحيطة بالإقليم؟

وفي الاتجاه المقابل، يمكن للحكومة الفيدرالية أن تنظر إلى استمرار وجود قوة مسلحة في تيغراي باعتباره سببًا لعدم استكمال إعادة دمج الإقليم سياسيًا وأمنيًا.

وهكذا تظهر الحلقة المغلقة:

تيغراي لا تريد التخلي عن أوراق قوتها قبل الحصول على ضمانات، والحكومة الفيدرالية لا تريد تقديم جميع الضمانات قبل التخلي عن السلاح.

غرب تيغراي.. العقدة الأكثر حساسية

يبقى غرب تيغراي من أصعب ملفات اتفاق بريتوريا.

فالمنطقة لا تزال خاضعة لسيطرة وإدارة قوى من أمهرا، فيما يطالب قادة تيغراي بإعادتها إلى إدارة الإقليم.

ولا تتعلق القضية بالأرض وحدها.

فمئات الآلاف من أبناء تيغراي لا يزالون نازحين، وترتبط عودتهم بمسألة من يسيطر على المنطقة ومن يوفر لهم الأمن.

وفي الوقت نفسه، قد تؤدي محاولة الحكومة الفيدرالية إعادة المنطقة إلى إدارة تيغراي إلى مواجهة سياسية وأمنية مع القوى الأمهرية.

وبذلك تتحول قضية كان يفترض أن تكون جزءًا من تنفيذ اتفاق السلام إلى معضلة سياسية يمكن أن تؤثر في توازنات السلطة داخل إثيوبيا نفسها.

حين يصبح عدم الحل مفيدًا

المفارقة أن استمرار الاتفاق في حالته غير المكتملة قد يمنح الأطراف المختلفة أوراقًا لا يوفرها التنفيذ الكامل.

بالنسبة إلى تيغراي، الاحتفاظ بجزء من القوة العسكرية يوفر وسيلة ضغط وضمانًا أمنيًا.

وبالنسبة إلى الحكومة الفيدرالية، يمكن استخدام عدم نزع السلاح لتبرير الحذر تجاه القيادة السياسية في تيغراي.

أما بالنسبة إلى إريتريا، فإن استمرار انشغال إثيوبيا بأزماتها الداخلية قد يقلص الضغط عليها بشأن البحر الأحمر وعصب.

وهكذا يتحول الجمود نفسه إلى جزء من توازن القوى.

خطر الحسابات الخاطئة

المشكلة في مثل هذه التوازنات أنها قد تبدو مستقرة إلى أن يقرر أحد الأطراف تغيير قواعد اللعبة.

فزيادة الضغط الإثيوبي بشأن البحر الأحمر قد تدفع إريتريا إلى تعزيز علاقاتها مع خصوم أديس أبابا.

وفي المقابل، أي تقارب واضح بين أسمرة وقوى مسلحة داخل إثيوبيا قد يدفع الحكومة الفيدرالية إلى التعامل مع الأمر باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.

وفي منطقة سبق أن تحولت فيها الخلافات الحدودية والسياسية بسرعة إلى حروب واسعة، فإن مساحة الخطأ محدودة.

كيف يمكن كسر الحلقة؟

يتطلب منع عودة الحرب الفصل بين مسارين أصبحا متداخلين بصورة خطرة.

الأول هو الخلاف الإثيوبي–الإريتري بشأن البحر الأحمر وعصب، والذي ينبغي التعامل معه باعتباره ملفًا مستقلًا يتعلق بالوصول التجاري والسيادة والعلاقات الثنائية.

أما الثاني فهو استكمال اتفاق بريتوريا.

ويحتاج ذلك إلى مسار متدرج وقابل للتحقق يشمل انسحاب القوات الأجنبية وغير الفيدرالية، ومعالجة وضع غرب تيغراي، وتأمين عودة النازحين، ثم استكمال نزع السلاح وإعادة دمج تيغراي سياسيًا بصورة كاملة.

إن تنفيذ هذه الالتزامات لن يحل التنافس التاريخي بين إثيوبيا وإريتريا.

لكنه قد يسحب تيغراي من قلب ذلك التنافس.

وبالنسبة إلى القرن الأفريقي، حيث تتقاطع الحدود القديمة مع الطموحات الجديدة، قد يكون هذا الفارق هو ما يفصل بين سلام هش وحرب أخرى.

عن The Conversation

ترجمة وتحرير للنشر باللغة العربية: رصد إريتريا

هذه المادة مبنية على تحليل منشور في The Conversation حول العلاقة بين تعثر تنفيذ اتفاق بريتوريا وتصاعد التوتر الإثيوبي الإريتريبشأن الوصول إلى البحر الأحمر وميناء عصب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى