أخبار اريترياإثيوبيااريترياالقرن الأفريقيترجمات
أخر الأخبار

إريتريا.. قوة صاعدة على شريان الملاحة العالمي

رصد اريتريا | مارتينا شويكوفسكي – DW

في منطقة يزداد فيها التنافس الدولي والإقليمي على النفوذ، تبدو إريتريا أمام فرصة جديدة لاستعادة أهميتها الجيوسياسية. فالدولة الصغيرة الواقعة على البحر الأحمر تمتلك أكثر من ألف كيلومتر من السواحل، وميناءي مصوع وعصب، وتحتل موقعاً حساساً بالقرب من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ومع تصاعد المخاطر الأمنية في البحر الأحمر، والحرب في اليمن، والتوترات المرتبطة بالملاحة الدولية، بدأ الموقع الإريتري يكتسب أهمية أكبر في الحسابات الإقليمية والدولية.

ويقول عبد الرحمن سيد، مدير مركز القرن الأفريقي للتكامل الإقليمي في لندن، إن موقع إريتريا أصبح أكثر أهمية بسبب ما يحدث في اليمن، الواقعة على الجانب الآخر من البحر الأحمر.

ويضيف: «الطريق الآمن الوحيد في هذه المنطقة يمر عبر إريتريا، حيث لا توجد حالياً مخاوف أمنية».

البحر الأحمر يرفع قيمة إريتريا

تشن جماعة الحوثيين المدعومة من إيران هجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر انطلاقاً من الساحل اليمني، ما جعل أمن الملاحة في هذا الممر الحيوي موضع اهتمام دولي متزايد.

وفي المقابل، تبدو إريتريا، رغم نظامها السياسي المغلق، أكثر استقراراً من دول مجاورة تعاني حروباً وصراعات مفتوحة، مثل اليمن والسودان وإثيوبيا.

ويرى سيد أن هذا الاستقرار هو أحد العوامل التي تجعل قوى إقليمية، بينها السعودية ومصر، حريصة على الحفاظ على علاقات مستقرة مع أسمرة.

لكن هذا الاستقرار نفسه يحمل نقطة ضعف كبيرة، بحسبه، إذ إن النظام الإريتري قائم على شخص واحد ولا توجد مؤسسات دستورية قوية يمكن أن تضمن انتقالاً منظماً للسلطة.

ويقول سيد إن غياب خليفة واضح للرئيس إسياس أفورقي يثير تساؤلات حول مستقبل البلاد، وما إذا كان الاستقرار الحالي سيستمر بعد غيابه عن السلطة.

إريتريا ومضيق هرمز

تزداد أهمية البحر الأحمر أيضاً بالنسبة لدول الخليج، التي تعتمد بشكل كبير على أمن الممرات البحرية لتصدير الطاقة واستيراد السلع.

وقد أعادت الحرب مع إيران تسليط الضوء على الأهمية الاستراتيجية للممرات البحرية الضيقة، وعلى رأسها مضيق هرمز وباب المندب.

وفي حال تعرض مضيق هرمز للإغلاق المتكرر، يمكن أن تصبح الموانئ السعودية على البحر الأحمر جزءاً من طرق بديلة لنقل الطاقة والتجارة.

لكن حتى هذه البدائل ليست محصنة من المخاطر الأمنية، وهو ما يعزز أهمية الدول والمواقع الواقعة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها إريتريا.

ويؤكد سيد أن أهمية الموقع الإريتري ليست جديدة، قائلاً إن أهميته الاستراتيجية «مستمرة منذ قرون وستظل كذلك».

إثيوبيا في قلب الحسابات

إلا أن العامل الأكثر حساسية بالنسبة لإريتريا يبقى جارتها إثيوبيا.

فإثيوبيا، الدولة الحبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، تعتمد على دول الجوار للوصول إلى البحر، وفي مقدمتها جيبوتي التي أصبحت منفذها البحري الرئيسي لعقود.

لكن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يطالب منذ سنوات بوصول مباشر وسيادي إلى البحر الأحمر، الأمر الذي أثار توترات متزايدة مع أسمرة.

ويقول مايكل ولدماريام، الباحث في كلية السياسة العامة بجامعة ماريلاند والمجلس الأطلسي، إن التحركات الإريترية الأخيرة يجب فهمها في إطار التوتر المتصاعد مع إثيوبيا.

ويضيف أن أسمرة تسعى إلى بناء شبكة من الشراكات الإقليمية والدولية يمكن أن تشكل ثقلاً موازناً لأديس أبابا.

ويشير في هذا السياق إلى الانفتاح الإريتري على مصر والصومال والسعودية والإمارات، إلى جانب مجموعات معارضة إثيوبية، وحتى الولايات المتحدة.

القاهرة وأسمرة تفتحان مساراً تجارياً جديداً

وفي مايو 2026، وقعت إريتريا ومصر اتفاقاً لإنشاء روابط مباشرة لنقل البضائع بين الموانئ المصرية والإريترية على البحر الأحمر، في خطوة تهدف إلى تعزيز التجارة وسلاسل الإمداد المستقلة في المنطقة.

وتأتي هذه الخطوة في وقت يتزايد فيه التنافس على الموانئ والممرات التجارية في البحر الأحمر، فيما تحاول دول المنطقة إعادة ترتيب مواقعها في الخارطة الجيوسياسية الجديدة.

وبالنسبة لأسمرة، لا يتعلق الأمر بالتجارة وحدها، بل أيضاً ببناء شبكة علاقات تمنحها مساحة أكبر للمناورة في مواجهة الضغوط الإثيوبية.

الاستقرار الإريتري.. إلى متى؟

لكن الصورة الاستراتيجية لإريتريا لا تلغي الجانب الآخر من واقعها الداخلي.

فالدولة التي تبدو مستقرة مقارنة بجيرانها تعاني منذ عقود من سجل حاد في انتهاكات حقوق الإنسان، والخدمة العسكرية المفتوحة، وغياب الانتخابات، وانعدام الحريات السياسية، وهي عوامل دفعت أعداداً كبيرة من الإريتريين إلى مغادرة البلاد.

ويقول ماغنوس ترايبر، الباحث المتخصص في الهجرة والقرن الأفريقي في جامعة ميونيخ، إن موجات الهجرة الإريترية بدأت منذ ستينيات القرن الماضي، وتواصلت خلال الحكم العسكري الإثيوبي، ثم تصاعدت مجدداً منذ عام 2001.

ويشير إلى أن أسباب الهجرة الأساسية لم تتغير كثيراً، ومنها انتهاكات حقوق الإنسان والخدمة العسكرية والحروب وانعدام الآفاق.

وبحسب التقرير، غادر ما لا يقل عن 700 ألف شخص إريتريا منذ استقلالها، أي ما يقارب خُمس سكان البلاد.

دولة صغيرة.. وموقع أكبر من حجمها

تجد إريتريا نفسها اليوم أمام مفارقة واضحة: دولة صغيرة، واقتصاد محدود، ونظام سياسي مغلق، لكنها تقع على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، في منطقة تتقاطع فيها مصالح مصر والسعودية والإمارات وإيران وتركيا والولايات المتحدة وإثيوبيا والصومال وغيرها.

ومع استمرار اضطرابات البحر الأحمر، وتصاعد التنافس حول الوصول إلى الموانئ، وتزايد أهمية باب المندب، يبدو أن القيمة الجيوسياسية للموقع الإريتري ستتجاوز بكثير حجم الدولة نفسها.

لكن السؤال الحقيقي لن يكون فقط: كيف ستستفيد إريتريا من موقعها؟

بل أيضاً: هل تستطيع أسمرة تحويل هذه الأهمية الجغرافية إلى نفوذ سياسي واقتصادي مستدام، من دون أن يتحول اعتمادها على نظام فردي إلى نقطة ضعف استراتيجية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى