
رصد اريتريا | الكاتب – إبراهيم حالي
أحلامنا كانت تعانق الضباب ،
وكانوا ثلة من الاولين
“لا يُولد البشر مرّةً واحدة حين تلدهم أمّهاتهم، فالحياة تُرغمهم على أن يلدوا أنفسهم.”
— غابرييل غارسيا ماركيز
وهذا ما فعلناه كأمّةٍ ثارت لتولد من جديد يا ماركيز. لكنّ هناك من عمل ويعمل بجهدٍ لإجهاضنا أو خنق طفولتنا وأحلامنا الوردية المبكّرة.
فمن الناس من يحلم، ومنهم من يتربّع على أنقاض أحلام الآخرين ويمارس ساديتةٍ بتلذّذ كمن يمارس طقوس شيطانية في مقارة مظلمة ،لا كمن حمل راية التحرير يوماً لهذه البلاد المنهكة ،
في ذكرى الاستقلال المختطف والثورة المغدور بها،
كان منّا من رحل وفي نفسه شيءٌ من حتى وفي حلقه غصّة،
ومنّا من أُرتحل عنوةً، ومنّا من غُيِّب قسرًا خلف جدران الأماني والأحلام والحرية،
ومنّا من سكن المنافي في أصقاع الأرض وترك روحه هناك تهيم بين أرواح الشهداء والمغيبين، خفيةً وخوفًا.
كوكبة من المبدعين كانوا في الموعد؛ يزرعون الأمل في الطرقات ويرسمون المستقبل على وجوه اليتامى وأبناء الشهداء، وعلى وجه الوطن الذي بدأ يتعافى ويضمد جراحاته، ويتصالح مع الزمن.
خطّوا القصائد والأناشيد، ونسجوا القصص، ورسموا لوحاتٍ زاهية، ونفضوا غبار الغربة والحرمان عن وجه الوطن، وكفكفوا دموعه ورمّموا تجاعيده.
فبدأ الوطن يلملم ثوب العفّة والشرف، واحتفى بعرسه الجميل، وأشرق وجهه بالبهجة في عاصمته الرائعة، التي راحت تنثر البنفسج على الطرقات فرحًا وغبطةً، فتتمايل الطرقات طربًا علي إيقاعات كل المدن.
أنشد لها الراحل المقيم بابكر عوض الكريم لحظة ميلادها بعملية قيصرية قائلًا:
“أيها العالم ها نحن قد أتينا، أو تسأل ماذا بيدينا؟”
فجاء صوته فخماً جهورًا، فخورًا، فاخراً عبر مكبّرات إذاعة “صوت الجماهير الإرترية” التي نصبت في أركان المدينة، معبّرًا عن اللحظة وبهجتها، فيما كانت الجموع تتراقص في “كمشتاتو” وفي الأزقة الأسمراوية كما لم ترقص من قبل .
امتزجت الذخيرة الحيّة بالزغاريد لتصنع لحنًا وسيمفونية أفراح إيذانًا بقرب ساعة إعلان الاستقلال وميلاد أمة عظيمة، بدأت عملياتها القيصرية بمشرط الأشاوس في معركة “تقوربا”، وانتهت بدكّ حصون العدو في “دقي أمحري” و”بيلول”.
حربٌ دامت ثلاثة عقود، كان طبيبها وشهيدها وجريحها وممرّضها إنسان الأرض الذي ضحّى بروحه لتضع حبلها بسلام وتنجو من المحرقة. قائد اللحن ومؤلف سيمفونية التحرير كان الشهيد بامتياز، دون منازع.
وبعد أن قُرعت أنخاب النصر والابتهااج مع الأصدقاء، وراح الكل ينتشي ويتمايل مع أغنيات النصر والفروسية، أطلق محمد مدني العنان لحَنجَرته مرددًا على طريقته المعهودة مقولة :الحجاج بن يوسف الشهيرة :
“أنا ابن جلا وطلع الثنايا، متى أضع البتاعة تعرفوني.”
ثم يضيف :
“أنا أخو الساترة حالًا.”
ويطرق لحظة، ثم يرفع رأسه بعزّة وافتخار، ودموع النصر تترقرق في عينيه، والكلمات تتحشرج في حلقه، ليضيف:
“أنا ود أسييت لرومايت”، ويشرع في إلقاء إحدى روائعه الشعرية… ثم يصمت، ليأتينا صوت المبدع “يماني باريا” صاحب الحنجرة الذهبية عبر مكبّرات الصوت وهو يتغنّى لهذا العرس البهيج:
“نهيوت نمبار بسلام… نا ظنت إيا مبراهت ظلام، نرهوا قسانت إفيتا ناظنت يبلان مستي.”
كان فنانًا بحجم وطن، وإنسانًا همّه خدمة الإنسان الإرتري في المهاجر. كريمًا، مضيافًا، أضاف لهذا الوطن بعدًا عاطفيًا آخر ولحنًا سرمديًا امتزج بالتراب فنبت وطنًا مُعافى في أغنياته، كما تنبت زهرةٌ من حلمٍ صادق ،ليته نبت كما كنا نتمني .
محمد مدني ونحن في “بابليون”، والمبدعة “يرقا ألم”، وآخرون في “بيشو فيليا”، و”إحدقا” ذات الرقي الإيطالي، و”الراكوبة” التي تذكّرنا بالرواكيب الصغيرة التي كانت أكبر من مدن. هناك، حيث تدفّق حبه لأبي الذهب، وكانت قصائده حاضرة دومًا يلقيها على الأصدقاء بتلذذ وإتقان، منذ أن كان في “آر: مناورات تكتيكية نحو قضية استراتيجية”. كتب أغنياتٍ للأطفال، وقصائد أخرى انسيابية العشق للوطن التليد، ختمها بقصيدة “عباس” الذي راعنا فيها ،وبرفضه الانسياق ضمن القطيع، فغادرنا مبكرًا مرفوع الهامة كشعره المجروح ، متأسفًا علينا وعلى الجنين الذي وُلد خديجًا.
ثم جاء أحمد عمر شيخ، وكأنه عاش معنا في سودان اللجوء رغم لهجته الجداوية، فكتب رائعته “تفاصيل امرأة قادمة من السودان”، أبدع في وصفها كما أبدع في وصف غربتها في الوطن.
وكتب الزمن جموعاً عادت للسودان.
أما عبد الحكيم محمود الشيخ فأعادنا إلى ذاكرة البطولات وأشرس معاركها، معركة “فَنقَل”، حيث عزف البارود والنزيف المقطوعة قبل الأخيرة من لحن تحرير كامل التراب وتطهيره وتعطيره بدماءٍ زكية. كتب قصيدته التي قدّمها لتلك الدماء الحمراء القانية التي امتزجت بالبحر كتميمة شيخٍ صوفي، تطرد شياطين الاستعمار وتطهّر الأرض من دنسهم:
“يبدو عليك البحر في هذا الصباح… يبدو عليك الاجتياح.”
هكذا انتشلنا من أجواء النصر إلى صانعي النصر، إلى الشموخ والعزّة، وصوّر لنا المعركة في قصيدته وكأنها فيلمٌ خرافي الأحداث، كملحمة أسطورية أو كأفلام هوليوود.
جلساتنا كانت شبه يومية، وأمانينا سقفها حدّ السماء.
يجيئنا من السودان فتحي عثمان، السوتري الأصيل، ليحكي في قصته القصيرة عن مدينتنا الرائعة التي اكتشفها قبلنا ونحن في غمرة النشوة، فجسّدها في “كولاج لمدينة خلاسية”؛ مدينة رفضت الخضوع والخنوع رغم الاستباحة، فكانت لنا وطنًا وشروقًا، نثرت الأفراح والبنفسج على الطرقات، وتلحّفنا ربيعها، وتدثّرنا بدفء صيفها، والتحمنا بها في أشواق سرمدية وحنين لا ينتهي.
ولا أنسى – وكيف أنسى؟ – الزاهد في المناصب والمراتب، القاص الذي وجدناه دومًا وسط البسطاء في المدن والأرياف، أبا عائد عبد الرحيم شنقب، عاشق “البادوب”، الذي صوّر في قصته “ظلمات الصيف القديم” حياة الرعاة وتفاصيل أهلنا الأنقياء في ذلك الفضاء الرحب العامر بالطيبة والكرم. كتب بلغةٍ مميزة وإحساسٍ رهيف، لينقل الأدب العربي المكتوب في بلادنا إلى العالمية، كإبداع متفرد يليق بعظمته ومن روائعه القصصية “ظلمات الصيف القديم “
إلى جانبه كان صديقه الفوضوي، الأستاذ الجامعي إسماعيل حاج رحمة، الذي تمرد على الواقع بطريقته الخاصة، وصادق المتمردين؛ محمد نور باهو، ومحمد علي شريف، رئيس تحرير صحيفة “إرتريا الحديثة” بعد الاستقلال، الذي لم يغب عن الذاكرة بشلوخه البارزة. مثّل التنظيم في باريس قبل التحرير، لكنه سئم الأمل ولبسه اليأس مبكرًا بعد الاستقلال، فغادرنا دون تذمّر أو وداع، مبتسمًا رغم أسنانه المفقودة التي اكتسب منها لقبه.
كانت ليالي الراحل الحبيب دبساي، المذيع المخضرم الأنيق الساخر، بهجةً ومتعة في “لالي بلا”. كم من حكاياته الفكاهية التي حكاها بتلقائية ممثل كوميدي بارع، لينفجر بعدها ضحكًا فنقهقه معه ببهجة لا تُنسى، فيما كانت “بسرات” المرأة الطيبة تُعدّ لنا العشاء بعناية كأننا أبناؤها.
كنا نحلم بوطنٍ كامل، امتلأنا به، وحاولنا وضع لبنات أحلامنا رغم قسوة العيش وغيبوبة النشوة. لكن سرعان ما أُسدل الستار الأسود على أيام التحرر وأحلامها الوردية، ليحل محلها كابوسٌ جثم على صدر الوطن، يخنق أنفاسه بأسوار عالية، ويقيّده بسلاسل غليظة وحروب لا نهائية، حتى كتابة هذه السطور.
عهدي الجديد مع “الم كيداني”، الذي برسمه البهجة بخفة ظلّه، ومع “سيوم صهاي” الذي صوّر بكاميرته معارك التحرير، قبل أن يصبح التصوير جُرمه، فاختفى قسرًا منذ أكثر من عشرين عامًا. ومع الجزائري صديقنا المثقف الحساس الذي لم يمنعه وجود عروة وصمود خديجة من مواجهة الجلاد، فاختار أن يصرخ بأعلى صوته، ويقول كلمته في وجه سلطان جائر، ثم مضى خلف الغضبان.
كان الشاعر القدير “كجراي” حاضرًا بيننا، أو كنا نحن محظوظين في حضرة إبداعاته التي تغنّت بالأرض الطاهرة:
“البنيات هنا لسن صبايا… بل شظايا.”
أما عبد القادر حكيم، ذلك الفتى المبدع، فانخرط في حقل التعليم، طارد الحرف في الأرياف، وأسهم في تعليم الأجيال، ثم عاد ليسكنه الحرف طوفانًا من القصص القصيرة: “صريف الأرصفة” وقصص اخري.
والكثير من الإبداع الإرتري المكتوب بالعربية آنذاك لا يكفي مقالًا لحصره. إنما هي مجرد تداعيات ذكريات عن زمنٍ ذهبي ، أحببت أن أشاركها مع الأصدقاء.
فليكمل الأصدقاء ما سقط عني سهوًا عن تلك الفترة وأحلامها المجنّحة، وأقلامها التي خطّت مستقبلًا مشرقًا بجهدٍ ونكران ذات، قبل أن يُبعثر بنا في كل وادٍ، ويُبعث ببعضنا خلف الشمس والقضبان،وبعضنا في الفيافي
المجد للشهداء، والحرية للأحرار خلف قضبان الجلاد.
التحية للأوفياء الأنقياء الذين ما زالوا يقبضون على الجمر رغم البعد والشتات.
والخزي والعار لكل من اتخذناه رفيقًا فخان القضية واصبح نصلاً في خاصرة الوطن ، واصطفّ إلى جانب الجلاد، وداس على جراحنا وأحلامنا.
والجرح ما زال ينزف… والأيام حبلى… والعظماء لا يكذبون ، ودماءنا لم تسكب هدراً.



