أخبار اريتريااريترياتقارير
أخر الأخبار

ليبيا والإريتريون العالقون بين الديكتاتورية والبحر: رحلة اللجوء التي لا تنتهي

رصد اريتريا | تقرير

من الهروب من إريتريا إلى الجحيم الليبي

على مدى أكثر من عقدين، ظل آلاف الإريتريين يغادرون بلادهم هربًا من التجنيد الإجباري غير المحدد المدة، والقيود السياسية، وانعدام الحريات الأساسية. بالنسبة لكثيرين منهم، لم تكن ليبيا وجهة نهائية، بل محطة عبور نحو أوروبا. لكن تلك المحطة تحولت مع مرور الوقت إلى واحدة من أخطر البيئات التي واجهها اللاجئون الإريتريون في العصر الحديث.

ففي الوقت الذي كانت فيه ليبيا تمثل طريقًا مختصرًا نحو الضفة الشمالية للمتوسط، أصبحت بالنسبة لآلاف الإريتريين مكانًا للاحتجاز والتعذيب والاستغلال والابتزاز والاختفاء القسري، وفق ما وثقته منظمات حقوقية دولية وتحقيقات أممية متعاقبة.

وتشير بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى وجود آلاف الإريتريين المسجلين داخل ليبيا، في حين يعتقد أن أعدادًا أخرى غير مسجلة تعيش في ظروف هشة أو مختبئة خوفًا من الاعتقال والترحيل.

رحلة تبدأ من إريتريا ولا تنتهي في ليبيا

يبدأ المسار غالبًا من إريتريا إلى السودان، ثم إلى الصحراء الليبية عبر شبكات التهريب. وهناك يجد اللاجئون أنفسهم أمام واقع مختلف تمامًا عما وُعدوا به.

على مدار سنوات، وثقت منظمات حقوقية مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش شهادات متكررة عن احتجاز تعسفي وتعذيب وعنف جنسي وعمالة قسرية وابتزاز مالي داخل مراكز الاحتجاز الليبية أو على أيدي شبكات الاتجار بالبشر. كما وثقت شهادات عديدة تعرض إريتريين لانتهاكات جسيمة أثناء احتجازهم في ليبيا. (Amnesty International)

وفي تقرير أممي صدر عام 2026، وصف مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ما يتعرض له المهاجرون واللاجئون في ليبيا بأنه “نموذج استغلالي” قائم على الانتهاكات المنهجية، بما في ذلك القتل والتعذيب والعنف الجنسي والاتجار بالبشر. كما تضمن التقرير شهادة لاجئة إريترية وصفت تجربتها بأنها “رحلة إلى الجحيم”. (The United Nations Office at Geneva)

البحر المتوسط: النجاة من السجن قد تعني الموت غرقًا

بالنسبة للإريتريين، لا يمثل البحر المتوسط مجرد طريق للهجرة، بل محاولة للهروب من واقع يعتبره كثيرون أكثر خطورة من المجازفة البحرية نفسها.

خلال السنوات الماضية، وثقت منظمات دولية عمليات اعتراض لقوارب اللاجئين وإعادتهم إلى ليبيا، حيث يواجه كثير منهم مجددًا الاحتجاز والانتهاكات. وتحدثت تقارير حقوقية عن دائرة متكررة تبدأ بالهروب وتنتهي بالإعادة إلى مراكز احتجاز سيئة السمعة. (Amnesty International)

كما شهدت ليبيا حوادث مأساوية داخل مراكز الاحتجاز نفسها، من بينها الغارة الجوية على مركز تاجوراء عام 2019 التي أدت إلى مقتل عشرات المهاجرين واللاجئين المحتجزين. (TIME)

تناقضات المشهد الليبي الحالي

خلال الأسابيع الأخيرة تصاعد الخطاب المناهض للمهاجرين واللاجئين في ليبيا بصورة غير مسبوقة.

وشهدت العاصمة طرابلس احتجاجات أمام مقر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، حيث قام محتجون بإغلاق مداخل المقر باستخدام الرمال والخيام مطالبين بإغلاقه، وسط شعارات ترفض ما يصفونه بـ”التوطين”. كما منحت بعض المكونات الاجتماعية المفوضية مهلة لمغادرة البلاد. (Reuters)

وفي الوقت نفسه، تؤكد السلطات الليبية رفضها لأي مشاريع لتوطين المهاجرين داخل البلاد، وتواصل حملات أمنية واسعة لضبط المهاجرين غير النظاميين وترحيلهم. غير أن الجدل لا يقتصر على ملف الهجرة غير النظامية، بل يمتد إلى وضع اللاجئين أنفسهم، خاصة في ظل غياب نظام وطني واضح للجوء وعدم وجود تشريع شامل ينظم حقوق اللاجئين وآليات حمايتهم. (Amnesty International USA)

وتبرز هنا إحدى أكثر الإشكاليات حساسية: كيف يمكن التمييز بين المهاجر غير النظامي واللاجئ الفار من الاضطهاد عندما تتعامل الأجهزة الأمنية مع الملف من منظور أمني صرف؟

وتزداد هذه التساؤلات حدة عندما تصدر تصريحات من بعض المسؤولين أو الجهات الأمنية تشكك في الاعتراف ببطاقات اللاجئين الصادرة عن الأمم المتحدة، أو عندما تقع اعتداءات أو ضغوط على مؤسسات دولية تعمل في المجال الإنساني دون ظهور حماية فعالة لها من قبل السلطات المختصة.

الإريتريون: الفئة الأكثر هشاشة

يحتل الإريتريون موقعًا خاصًا داخل أزمة اللجوء في ليبيا.

فهم لا يفرون عادة من نزاعات أهلية مؤقتة، بل من ظروف دفعت آلافًا منهم إلى طلب الحماية الدولية في دول مختلفة حول العالم. ولهذا السبب يشكل الإريتريون نسبة مرتفعة من الحالات التي تعتبرها المنظمات الدولية مؤهلة للحماية الدولية وإعادة التوطين.

لكن الواقع الليبي جعل كثيرًا من هؤلاء يعيشون لسنوات طويلة في حالة انتظار مفتوح، بين الخوف من الاعتقال، والعجز عن العودة إلى بلدهم، وصعوبة الوصول إلى حلول دائمة.

مسؤولية الدولة الليبية

من حق أي دولة أن تدير حدودها وأن تكافح شبكات التهريب والجريمة المنظمة. غير أن القانون الدولي يميز بوضوح بين مكافحة الهجرة غير النظامية وبين معاملة اللاجئين وطالبي اللجوء.

الانتقادات الحقوقية الموجهة إلى السلطات الليبية لا تتمحور حول حق الدولة في حماية حدودها، بل حول استمرار تقارير تتحدث عن الاحتجاز التعسفي، وسوء المعاملة، وغياب الضمانات القانونية، وضعف المساءلة عن الانتهاكات التي وثقتها منظمات دولية على مدى سنوات.

لقد وثقت تقارير أممية ومنظمات حقوقية نمطًا متكررًا من الانتهاكات داخل منظومة الاحتجاز الليبية، بما يشمل التعذيب والعنف الجنسي والعمل القسري والابتزاز والاتجار بالبشر. وما لم تُفتح تحقيقات مستقلة وشفافة وتتم محاسبة المسؤولين عنها، فإن هذه التقارير ستظل تلقي بظلالها على سجل ليبيا الحقوقي. (The United Nations Office at Geneva)

يخلص التقرير بان الآلاف الإريتريين في ليبيا، لم تعد قضيتهم مجرد عبور نحو أوروبا أو انتظار إعادة التوطين. إنها معركة يومية من أجل البقاء.

فبين دولة لا تزال تكافح لترسيخ مؤسساتها، وشبكات تهريب تستفيد من الفوضى، وخطاب سياسي وشعبي يتصاعد ضد الأجانب، يجد اللاجئ الإريتري نفسه مرة أخرى في مواجهة السؤال ذاته الذي دفعه إلى مغادرة وطنه منذ البداية:

أين يمكن للإنسان أن يجد مكانًا آمنًا عندما يتحول البحث عن الأمان نفسه إلى رحلة من الخوف المتواصل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى