
رصد إريتريا | تقرير خاص
حذر كل من غيتاتشو ردا ، الرئيس السابق للإدارة المؤقتة في إقليم تيغراي، ورضوان حسين، مستشار الأمن القومي الإثيوبي السابق وأحد كبار أعضاء وفد الحكومة الإثيوبية في مفاوضات السلام، من أن إثيوبيا تقف مجدداً أمام خطر الانزلاق إلى حرب جديدة، متهمين أطرافاً متشددة داخل جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF)، وعناصر من قوات فانو، والحكومة الإريترية، بالعمل على تقويض اتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر 2022.
وفي مقال مشترك نشرته الجزيرة الإنجليزية بعنوان “يجب ألا تُجرّ إثيوبيا مجدداً إلى الحرب”، استعاد الكاتبان تفاصيل المفاوضات التي جرت في بريتوريا بجنوب أفريقيا خلال ذروة الحرب في شمال إثيوبيا، مؤكدين أن هدف الوفدين المتفاوضين كان إنهاء القتال ووضع حد لنزيف الدم الذي خلفته الحرب.
وقال الكاتبان إن الوسطاء الجنوب أفارقة اتخذوا في البداية إجراءات أمنية مشددة لإبقاء وفدي الحكومة الإثيوبية وجبهة تيغراي منفصلين، خشية حدوث مواجهات مباشرة بين ممثلي الطرفين. إلا أن الأجواء، بحسب روايتهما، اتسمت منذ البداية بقدر من الاحترام المتبادل فاجأ الوسطاء، ما سمح لاحقاً بعقد جلسات مباشرة وأكثر مرونة بين الجانبين.
وأشارا إلى أن المفاوضات استمرت أياماً طويلة امتدت في بعض الأحيان إلى ما بعد منتصف الليل، وشهدت نقاشات حادة وخلافات عميقة، فيما كانت المعارك لا تزال دائرة على الأرض. ورغم اقتراب المحادثات من الانهيار أكثر من مرة، فإن الطرفين تمكنا، بدعم من الوسطاء الأفارقة، من تحقيق اختراقات متتالية انتهت بالتوصل إلى اتفاق سلام دائم.
وأوضح الكاتبان أن المفاوضات ركزت منذ البداية على الاتفاق على المبادئ الأساسية التي يجب أن يقوم عليها أي حل سياسي، قبل الانتقال إلى مناقشة آليات التنفيذ والتفاصيل العملية، وهي مرحلة وصفاها بأنها كانت شديدة التعقيد بسبب استمرار الحرب والضغوط السياسية والعسكرية المحيطة بالمحادثات.
وبحسب المقال، فقد شكّل توقيع اتفاق بريتوريا للوقف الدائم للأعمال العدائية في الثالث من نوفمبر 2022 لحظة فارقة في تاريخ إثيوبيا الحديث، لا سيما في بلد نادراً ما شهد تسويات سياسية قائمة على التفاوض والتنازل المتبادل بين الأطراف المتحاربة.
وأشار الكاتبان إلى أن الاتفاق قوبل بترحيب واسع داخل إثيوبيا، حيث شعر ملايين الإثيوبيين بالارتياح لانتهاء واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ البلاد المعاصر، إلا أن هذا الترحيب لم يكن شاملاً.
معارضة داخل تيغراي وفانو
بحسب المقال، فإن شخصيات متشددة داخل جبهة تحرير شعب تيغراي كانت تفضّل وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار بدلاً من اتفاق سلام دائم، إذ كانت ترى أن هدنة قصيرة قد تتيح إعادة تنظيم القوات وإعادة التسلح والعودة إلى الحرب في وقت لاحق.
ويتهم الكاتبان هذه القيادات بأنها لم تكن مستعدة لإنهاء الحرب بصورة نهائية، وأنها كانت على استعداد لمواصلة القتال مهما كانت الخسائر البشرية، بما في ذلك استمرار سقوط أعداد كبيرة من الشباب في ساحات المعارك.
كما يوجهان انتقادات لعناصر متشددة داخل قوات فانو المسلحة في إقليم أمهرة، مؤكدين أن معارضتها لاتفاق بريتوريا لم تقتصر على الادعاء بأن الحكومة الفيدرالية قدمت تنازلات كبيرة لجبهة تيغراي، بل كانت مدفوعة أيضاً بحسابات سياسية أخرى ظهرت بوضوح في التطورات اللاحقة.
اتهامات مباشرة لإريتريا
ويخصص المقال جزءاً كبيراً من محتواه للحديث عن الدور الإريتري، حيث يوجّه الكاتبان اتهامات مباشرة للرئيس الإريتري Isaias Afwerki وحكومته بمعارضة اتفاق بريتوريا منذ لحظة توقيعه.
ويقول الكاتبان إن الرئيس الإريتري وصف الاتفاق علناً بأنه “مؤامرة تقودها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)” ولا تخدم مصالح المنطقة، مضيفين أن أسمرة نظرت إلى المصالحة بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تيغراي باعتبارها تطوراً لا يخدم مصالحها.
وبحسب المقال، فإن القيادة الإريترية كانت ترى أن استمرار الصراع الداخلي في إثيوبيا يضعف الدولة الإثيوبية ويجعلها أكثر عرضة للانقسامات والصراعات الداخلية، بينما يمثل استقرارها واستعادة وحدتها تحدياً للمصالح الإريترية.
ويذهب الكاتبان إلى أبعد من ذلك باتهام الحكومة الإريترية بالسعي إلى بناء تحالف بين شخصيات متشددة داخل جبهة تيغراي وعناصر من قوات فانو المعارضة لاتفاق بريتوريا.
ويشيران إلى أن هذا التحالف تشكل تحت اسم “تسمدو” (Tsimdo)، وأن مسؤولين إريتريين لعبوا دوراً في جمع الأطراف الرافضة للاتفاق وتنسيق مواقفها.
اجتماعات في أسمرة وميكيلي والسودان
كما يذكر المقال أن اجتماعات وصفت بأنها سرية وأخرى علنية عقدت في أسمرة وميكيلي والسودان خلال الفترة الماضية، وهدفت – بحسب رواية الكاتبين – إلى تنسيق الجهود بين القوى المعارضة لاتفاق بريتوريا.
ويرى الكاتبان أن هذه التحركات أسهمت في بناء جبهة سياسية وعسكرية هدفها إعادة إثيوبيا إلى حالة المواجهة المسلحة.
تحذير من هجوم جديد
في أخطر ما ورد في المقال، يحذر الكاتبان من أن الجناح المتشدد داخل جبهة تحرير شعب تيغراي يستعد، بحسب معلوماتهما، لشن هجوم جديد ضد الحكومة الفيدرالية الإثيوبية خلال الفترة القريبة المقبلة.
ويقولان إن هذا الجناح اتخذ بالفعل خطوات يعتبرانها انتهاكاً مباشراً لاتفاق بريتوريا، من بينها تفكيك الإدارة المؤقتة التي أُنشئت بعد الاتفاق، وإنشاء إدارة موازية، إضافة إلى مواصلة عمليات التجنيد والتدريب العسكري والتسليح.
كما يتهم المقال هذا الجناح بالحصول على دعم مباشر من الحكومة الإريترية، وبإبعاد الأصوات والشخصيات داخل الجبهة التي كانت تدعو إلى الالتزام باتفاق السلام ومواصلة المسار السياسي.
مخاوف متزايدة من انهيار اتفاق بريتوريا
تأتي هذه التحذيرات في وقت تشهد فيه تيغراي تطورات متسارعة، وسط تقارير متزايدة عن عمليات تعبئة وتجنيد وتحركات عسكرية داخل الإقليم، الأمر الذي أثار مخاوف من احتمال انهيار الترتيبات التي أوقفت الحرب قبل أكثر من ثلاث سنوات.
ويرى مراقبون أن استمرار التوترات السياسية والعسكرية بين مختلف الأطراف الإثيوبية، إلى جانب الاتهامات المتبادلة بشأن تنفيذ اتفاق بريتوريا، يهدد بإعادة إشعال واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في منطقة القرن الأفريقي.
ويختتم الكاتبان مقالهما بدعوة المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوط واضحة على الجهات التي تسعى إلى تقويض اتفاق بريتوريا، محذرين من أن أي عودة للحرب لن تقتصر آثارها على إثيوبيا وحدها، بل ستمتد تداعياتها إلى مجمل منطقة القرن الأفريقي.
المصدر: الجزيرة الإنجليزية (Al Jazeera English)
الكاتبان: غيتاتشو ردا ، الرئيس السابق للإدارة المؤقتة في تيغراي، ورضوان حسين، مستشار الأمن القومي الإثيوبي السابق وعضو وفد الحكومة الإثيوبية في مفاوضات بريتوريا.
تنويه تحريري: يعبر المقال الأصلي عن وجهة نظر كاتبيه، وتبقى الاتهامات الواردة فيه، بما في ذلك الاتهامات الموجهة لإريتريا أو لأطراف إثيوبية مختلفة، ضمن إطار المواقف السياسية التي طرحها الكاتبان، ولم تُرفق في المقال بردود من الجهات المتهمة.




