
رصد اريتريا | الكاتب / عمر طه
في المجتمعات التي تعيش أزمات سياسية أو نزاعات مسلحة، لا تقتصر أدوات الصراع على السلاح والقوة العسكرية، بل قد تكون الكلمة والتحريض وإثارة النعرات الهوياتية أكثر خطورة من الرصاص؛ لأنها تستهدف الإنسان في وعيه وانتمائه وعلاقته بالآخر، وتعمل بصورة تدريجية على تحويل الاختلاف الطبيعي داخل المجتمع إلى خصومة وعداء وانقسام خطير .
وعندما تظهر أصوات تحاول إشعال الكراهية بين مكونات المجتمع المتعايشة بسلام ، أو تحويل الاختلاف الديني أو الثقافي أو اللغوي إلى صراع وجودي ، فإن المسألة لا تعود مجرد خلاف في الرأي ، وإنما تصبح تهديداً مباشراً للسلم الأهلي والوحدة الوطنية ومستقبل المجتمع داخل البلد الواحد .
ما الهدف من إثارة هذه النعرات؟
في كثير من حالات الصراع ، تستفيد الأنظمة السلطوية والجهات المرتبطة بها من خطاب الكراهية ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بهدف إعادة توجيه غضب المجتمع من السلطة ومشكلاته الحقيقية نحو مكونات المجتمع نفسها.
ومن أخطر الأهداف المحتملة:
● تفكيك وحدة المجتمع وإضعاف قدرته على العمل المشترك.
● تحويل الصراع السياسي إلى صراع هوياتي أو ديني أو عرقي عنصري .
● خلق حالة من الشك والخوف المتبادل بين المكونات.
● إشغال الشعوب بصراعات داخلية بدلاً من التركيز على أسباب أزماتها الحقيقية.
● إضعاف المعارضة والقوى الوطنية الجامعة من خلال زرع الفتن والانقسامات بينها.
● استقطاب الشباب، خصوصاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتحويلهم إلى أدوات لنشر خطاب الكراهية والعنصرية البغيضة.
● تهيئة البيئة الاجتماعية للعنف والانتقام ، بحيث يصبح المجتمع أكثر قابلية للانفجار.
والأخطر من هذه المصيبة أن بعض مروّجي هذه الخطابات قد يظهرون بمظهر المدافعين عن الهوية أو الحقوق أو التاريخ، بينما تكون النتيجة العملية لخطابهم هي تمزيق النسيج الاجتماعي الذي يدّعون الدفاع عنه.
التداعيات الخطيرة
خطورة خطاب الكراهية والعنصرية لا تكمن فقط في الكلمات التي تُقال اليوم ، وإنما في النتائج التي قد تنتج عنها غداً.
فالكلمة التحريضية قد تبدأ بتصنيف الناس إلى “نحن” و”هم”، ثم تتحول إلى إقصاء اجتماعي ، ثم إلى تبادل الاتهامات، وقد تصل في مراحل أكثر خطورة إلى العنف والانتقام والتطهير المجتمعي والعرقي .
وحين تتراكم هذه المشاعر، يصبح من الصعب إعادة بناء الثقة حتى بعد انتهاء الصراع السياسي أو العسكري ؛ لأن الجرح هذه المرة يكون قد انتقل من المؤسسات السياسية إلى العلاقات بين أفراد المجتمع نفسه.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية : قد يسقط النظام أو ينتهي الصراع ، لكن آثار الكراهية التي زرعت في المجتمع قد تستمر لعقود.
الخلاصة
إن مواجهة خطاب الكراهية والعنصرية البغيضة ليست مسؤولية الحكومة أو الأحزاب أو القيادات الدينية والسياسية وحدها ، بل هي مسؤولية جماعية تقع على عاتق كل من يدرك خطورة تفكيك المجتمعات من الداخل.
فالاختلاف بين مكونات المجتمع أمر طبيعي ، أما تحويل الاختلاف إلى كراهية وعداء فهو مشروع تدميري لا يخدم إلا القوى التي تستفيد من الانقسام.
ولهذا ينبغي أن يكون الوعي الشعبي أقوى من محاولات التحريض على الكراهية ، وأن تكون وحدة المجتمع أقوى من دعاة النعرات الجهويةوالقبلية ، وأن ندرك جميعاً أن أخطر انتصار يمكن أن تحققه الديكتاتورية ليس أن تهزم خصومها بالسلاح ، وإنما أن تجعل المجتمع يهزم نفسه بنفسه.
وفي النهاية، فإن الدفاع عن الوحدة الوطنية لا يعني إلغاء التنوع، بل يعني حماية التنوع من أن يتحول إلى أداة للانقسام ؛ فالأوطان لا تُبنى بتشابه أبنائها ، وإنما باحترام اختلافاتهم اللغوية والدينية ، وإدارة هذا الاختلاف بالحكمة والعدل والحوار.




