
رصد إريتريا | متابعة وتحليل
السياسي الإثيوبي يرى أن تراجع قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي شمالًا يضع آبي أحمد وإسياس أفورقي أمام خيارات أكثر تعقيدًا، محذرًا من أن انتقال مقاتلي الجبهة إلى الأراضي الإريترية قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع تتجاوز حدود تيغراي.
طرح السياسي الإثيوبي جوهر محمد، في تحليل مطول نشره عبر منصة «إكس»، تصورًا للمرحلة المقبلة من الحرب في تيغراي، متوقفًا بصورة خاصة عند احتمال انتقال مركز الثقل العسكري شمالًا باتجاه الحدود الإريترية، وما قد يترتب على ذلك من حسابات جديدة لكل من الحكومة الإثيوبية وإريتريا والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF).
وينطلق جوهر في تحليله من التطورات العسكرية الأخيرة في تيغراي، معتبرًا أن الخسائر الإقليمية السريعة التي تعرضت لها الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وانسحابها من مواقع رئيسية، تضعها أمام سؤال أساسي يتعلق بقدرتها على الانتقال مجددًا من الحرب التقليدية إلى نمط حرب أكثر حركة ومرونة.
وبحسب جوهر، فإن السؤال الذي بات مطروحًا الآن ليس فقط ما إذا كانت الجبهة قادرة على الاستمرار في القتال، بل أيضًا إلى أين ستتجه بعد تراجعها العسكري، وما إذا كانت المرحلة المقبلة من الصراع ستتحرك شمالًا باتجاه الحدود الإريترية.
تدهور العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة
يربط جوهر بين التطورات العسكرية داخل تيغراي والتدهور الحاد في العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا.
ويشير إلى أن أديس أبابا اتهمت إريتريا بدعم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي والمشاركة بصورة مباشرة في القتال، وهي اتهامات تنفيها أسمرة.
ويرى جوهر أن تراجع الجبهة شمالًا يحدث في وقت وصلت فيه العلاقات بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والرئيس الإريتري إسياس أفورقي إلى مستوى شديد التوتر، وهو ما يجعل أي تحرك عسكري قرب الحدود أكثر حساسية وخطورة.
وبحسب تحليله، فإن انهيار الهجوم الذي كانت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي تخطط لتنفيذه باتجاه الجنوب يعني أيضًا أن استراتيجية إريتريا القائمة على إبقاء ساحة المعركة بعيدًا عن حدودها لم تعد مضمونة.
من الدفاع عن المواقع إلى «حرب الحركة»
يشير جوهر إلى تصريحات رئيس الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي دبرصيون غبرميكائيل بشأن التحول نحو نمط من «الحرب المتحركة»، بدلًا من الاستمرار في الدفاع عن مواقع ثابتة.
ويقول إن مصادر متعددة تشير إلى تحرك قيادة الجبهة وهيكلها القيادي والعسكري باتجاه الحدود مع إريتريا، فيما يبدو، بحسب تقديره، استعدادًا للانتقال إلى نمط تمرد جديد.
لكن جوهر يقر في الوقت نفسه بأن المواقع الدقيقة لهذه القيادات ونواياها تظل صعبة التحقق بصورة مستقلة.
ويرى أن استمرار تحرك الجبهة باتجاه الحدود الإريترية سيجعل قدرتها على البقاء كقوة قتالية منظمة مرتبطة بصورة متزايدة بما سيحدث على طول تلك الحدود.
ولم يتسنَّ لرصد إريتريا التحقق بصورة مستقلة من المعلومات المتعلقة بالمواقع الحالية لقيادات الجبهة أو طبيعة تحركاتها الميدانية المشار إليها في تحليل جوهر محمد.
«معضلة إسياس»
يخصص جوهر جزءًا رئيسيًا من تحليله لما يسميه «معضلة إسياس».
ويرى أن السماح لقوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بعبور الحدود إلى داخل إريتريا قد يحمل بالنسبة إلى الرئيس الإريتري مخاطر وفرصًا متعارضة.
فمن ناحية، يعتقد جوهر أن بقاء الجبهة وإعادة تنظيم قواتها من شأنه أن يحافظ على مصدر ضغط عسكري على حكومة آبي أحمد.
كما يرى أن ذلك قد يساعد على الحفاظ على التحالف المسلح المناهض للحكومة الإثيوبية، والذي يقول إن إريتريا ساعدت في تجميعه، وأن هذا التحالف قد يضعف بصورة كبيرة في حال تعرض الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي لهزيمة عسكرية حاسمة.
وبحسب هذا السيناريو، يمكن للأراضي الإريترية أن تمنح قوات الجبهة المجال اللازم لإعادة التنظيم والمحافظة على قدرتها على مواصلة القتال.
لكن جوهر يرى أن السماح لقوات كبيرة تابعة للجبهة بالوجود داخل الأراضي الإريترية من شأنه أيضًا أن يخلق مشكلة تتعلق بالسيطرة عليها.
ويقول إن بقاء الجبهة كقوة عسكرية سيكون مفيدًا لإريتريا، وفق تقديره، فقط طالما ظلت عملياتها متوافقة مع الحسابات الاستراتيجية لأسمرة.
ويضيف أن أي عمليات عسكرية تنطلق من الأراضي الإريترية ضد إثيوبيا ستكون لها تداعيات مباشرة على إريتريا، وهو ما قد يدفع إسياس إلى محاولة التحكم في توقيت وطبيعة ومكان أي عمليات مستقبلية للجبهة.
خطر منح إثيوبيا مبررًا لعبور الحدود
في المقابل، يرى جوهر أن السماح لقوات الجبهة بالتمركز داخل إريتريا وشن عمليات انطلاقًا من أراضيها قد يمنح حكومة آبي أحمد مبررًا للقول إنها تواجه تهديدًا عسكريًا عابرًا للحدود.
وبحسب تحليله، فإن الأطراف الدولية التي تضغط حاليًا من أجل منع مواجهة مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا قد تجد صعوبة أكبر في ممارسة الضغط ذاته إذا استطاعت أديس أبابا إثبات وجود تهديد مسلح مستمر ينطلق من الأراضي الإريترية.
ويقول جوهر إن العمليات التي قد تنفذها الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي انطلاقًا من إريتريا ستعزز حجة الحكومة الإثيوبية بأنها تتعامل مع تهديد أمني عابر للحدود.
ومن هنا، يرى أن توفير ملاذ للجبهة داخل إريتريا يمكن، بصورة غير مقصودة، أن يسرع المواجهة المباشرة بين آبي أحمد وإسياس أفورقي، وهي المواجهة التي يعتقد جوهر أن أسمرة حاولت حتى الآن تجنبها من خلال الاعتماد على حرب بالوكالة.
وهذا توصيف وتحليل يطرحه جوهر محمد، وليس حقيقة مستقلة تتبناها رصد إريتريا.
السودان ومصر في الحسابات الإقليمية
ويتطرق جوهر كذلك إلى الدور المحتمل لكل من السودان ومصر في الحسابات الإقليمية المحيطة بالصراع.
ويرى أن السودان قد يوفر عمقًا استراتيجيًا وإمكانية للوصول إلى خطوط إمداد عبر الحدود الغربية، في حين يضيف الخلاف القائم بين مصر وإثيوبيا وعلاقات القاهرة مع أسمرة بعدًا آخر إلى المشهد الإقليمي.
ويشير إلى أن أديس أبابا اتهمت البلدين بدعم التحالف الذي تقوده الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، مع التأكيد على أن هذه الاتهامات موضع خلاف.
«معضلة آبي»
في الجانب الآخر، يرى جوهر أن تحرك قوات الجبهة باتجاه إريتريا يضع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أمام معضلة مختلفة.
فبحسب تحليله، يمكن لملاحقة قوات الجبهة قبل أن تعيد تنظيم نفسها أن تحرمها من الوقت اللازم للاستعداد لتمرد جديد.
أما السماح لها بالاستقرار على الجانب الآخر من الحدود، فقد يمنحها فرصة لإعادة بناء قدراتها العسكرية.
لكن جوهر يشير في الوقت ذاته إلى أن الجيش الإثيوبي لا يزال بحاجة إلى تثبيت السيطرة على الأراضي التي سيطر عليها خلال تقدمه الأخير، والتعامل مع ما تبقى من تشكيلات الجبهة والتعافي من القتال.
ويضيف أن أي دخول عسكري إثيوبي إلى الأراضي الإريترية سيحمل خطر التحول إلى مواجهة مباشرة مع الجيش الإريتري.
توقيت أي عملية إثيوبية
ويرى جوهر أن توقيت أي عملية إثيوبية محتملة باتجاه الحدود سيكون عاملًا حاسمًا في تحديد الموقف الدولي.
فإذا لم تكن الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي قد بدأت بتنفيذ هجمات من الأراضي الإريترية، ولم تتمكن أديس أبابا من إثبات وجود تهديد عابر للحدود وشيك، فقد يكون من الصعب عليها الحصول على قبول دولي لأي توغل عسكري داخل إريتريا.
ويعتقد أن التحرك قبل ظهور مثل هذا التهديد بشكل واضح قد يحول الصراع من مواجهة مع خصم مسلح داخلي إلى حرب بين دولتين، ويمنح إريتريا أرضية أقوى لتصوير إثيوبيا باعتبارها الطرف الذي بدأ المواجهة عبر الحدود.
لكن الانتظار، بحسب جوهر، يحمل بدوره مخاطرة عسكرية، لأنه قد يمنح الجبهة الوقت اللازم لإعادة التنظيم والتعافي والحصول على إمدادات وقدرات جديدة من حلفائها الخارجيين.
كما قد يمنح إريتريا والجبهة والقوى المتحالفة معها وقتًا لتطوير هيكل قيادة أكثر تكاملًا واستراتيجية عملياتية مشتركة، وهو ما يمكن أن ينتج، وفق تقديره، تمردًا أكثر صعوبة بالنسبة إلى الحكومة الإثيوبية.
الوقت يعمل بصورة مختلفة
ويلخص جوهر هذه المعادلة بالقول إن عامل الوقت يعمل بصورة مختلفة بالنسبة إلى الأطراف الثلاثة.
فالجبهة الشعبية لتحرير تيغراي تحتاج إلى الوقت لإعادة التنظيم.
وآبي أحمد، وفق التحليل، يسعى إلى حرمان خصمه من تلك الفرصة بالتوازي مع تثبيت مكاسبه العسكرية.
أما إسياس أفورقي، فيوازن بين ما قد يمثله بقاء الجبهة من ورقة ضغط على إثيوبيا، وبين خطر أن يؤدي تعافيها العسكري إلى تسريع المواجهة المباشرة بين البلدين.
ويرى جوهر أن أحد الخيارات المتاحة أمام آبي أحمد يتمثل في تثبيت السيطرة داخل تيغراي، وتعزيز القوات على الحدود، وزيادة الضغوط على إريتريا، قبل التفكير في أي عمل عسكري مباشر.
لكن نجاح هذا النهج، وفق تقديره، سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرة الحكومة الإثيوبية على منع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي من إنشاء قاعدة دائمة على الجانب الآخر من الحدود.
تحركات عسكرية تستحق المتابعة
ويتوقف جوهر عند ما وصفه بالانتشار الأخير لوحدات إضافية من وسط إثيوبيا باتجاه الشمال، إلى جانب تحريك معدات لوجستية تشمل قدرات على إنشاء جسور متنقلة.
ويرى أن مثل هذه التحركات يمكن أن تكون متسقة مع التحضير لعمليات عسكرية في المسرح الشمالي، لكنه يؤكد أن الغرض الدقيق منها لا يزال غير واضح.
ويشدد على أن هذه التحركات، في حد ذاتها، لا تثبت أن أديس أبابا اتخذت قرارًا بدخول الأراضي الإريترية، لكنه يعتبر أن اتجاه القوات وطبيعة المعدات المنقولة تستحق المتابعة الدقيقة.
ولم يتسنَّ لرصد إريتريا التحقق بصورة مستقلة من طبيعة هذه الانتشارات العسكرية أو الغرض العملياتي منها.
هل تنتقل الحرب إلى الأراضي الإريترية؟
يخلص جوهر محمد إلى أن قدرة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي على تثبيت وجود لها عبر الحدود الإريترية قد تصبح أحد العوامل الحاسمة في تحديد مدى اقتراب آبي أحمد وإسياس أفورقي من مواجهة عسكرية مباشرة.
ويرى أنه إذا سمحت إريتريا لقوات الجبهة بالعبور والاستقرار داخل أراضيها، فسيواجه آبي أحمد خيارًا صعبًا بين القبول باحتمال عودة تمرد مسلح في المستقبل، وبين تحمل مخاطر ملاحقة تلك القوات عبر حدود دولية والدخول في مواجهة محتملة مع إريتريا.
وينهي جوهر تحليله بالقول إنه ما لم تمنع إريتريا قوات الجبهة من العبور إلى أراضيها، أو يحدث اختراق دبلوماسي يعيد آبي أحمد وإسياس أفورقي إلى طاولة المفاوضات، فإن الصراع قد يكون مقبلًا، بحسب تقديره، على واحدة من أخطر مراحله.
وفي السيناريو الأكثر خطورة الذي يطرحه جوهر، قد تنتقل ساحة الصراع من داخل تيغراي إلى الأراضي الإريترية، بما يحول الحرب من صراع داخلي إثيوبي إلى مواجهة ذات أبعاد إقليمية أوسع.
المصدر: تحليل نشره السياسي الإثيوبي جوهر محمد عبر منصة «إكس».
تنويه تحريري: تتضمن المادة تقديرات وتحليلات وادعاءات ميدانية وردت في طرح جوهر محمد. وقد حافظت رصد إريتريا على نسب هذه الآراء والمعلومات إلى صاحبها، ولا تمثل السيناريوهات الواردة فيها استنتاجات مستقلة للمنصة. كما لم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من بعض التفاصيل المتعلقة بتحركات القوات والقيادات العسكرية الواردة في التحليل.




