إثيوبيااريترياالقرن الأفريقيترجماتتقارير
أخر الأخبار

إثيوبيا أمام حرب جديدة.. خريطة القوى المتصارعة والتحالفات التي أعادها القتال إلى الواجهة

رصد إريتريا | متابعة

دخلت إثيوبيا مرحلة جديدة من التصعيد العسكري مع اتساع رقعة المواجهات في شمال البلاد، وسط شبكة معقدة من التحالفات بين قوى كانت، حتى وقت قريب، تقاتل بعضها بعضًا.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة Le Monde الفرنسية، فإن المواجهات التي تصاعدت منذ الثلاثاء 22 سبتمبر تدور بصورة رئيسية في شمال إثيوبيا، في وقت تصف فيه الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي TPLF القتال بأنه حرب «شاملة»، وسط غياب مراقبين خارجيين قادرين على تقديم صورة مستقلة وكاملة عن الوضع الميداني.

ويأتي التصعيد بعد أيام من إعلان تحالف يضم سبع جماعات مسلحة تحت اسم «ائتلاف القوات الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء»، أُعلن رسميًا في 20 سبتمبر، ويقول إن هدفه هو إسقاط الحكومة الفيدرالية التي يقودها رئيس الوزراء آبي أحمد.

لكن التحالف الجديد لا يعني بالضرورة وحدة الأهداف بين أطرافه. فبعض القوى المنضوية فيه خاضت في السابق حروبًا ضد بعضها، ولا تزال بينها نزاعات على الأراضي والنفوذ، ما يجعل المشهد الإثيوبي شبكة متحركة من المصالح والتحالفات أكثر منه جبهة موحدة.

تيغراي.. القوة الأكثر خبرة داخل التحالف

تمثل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي TPLF أبرز القوى الموجودة في التحالف الجديد وأكثرها خبرة عسكرية وسياسية.

فالجبهة التي حكمت إثيوبيا ضمن الائتلاف الحاكم لنحو ثلاثة عقود بين 1991 و2018، كانت أحد أبرز مهندسي النظام الفيدرالي الإثني الذي تأسس بعد سقوط نظام منغستو هيلا مريام.

غير أن نفوذها بدأ بالتراجع مع تصاعد الاحتجاجات في مناطق أوروميا وأمهرة، وصولًا إلى صعود آبي أحمد إلى رئاسة الوزراء عام 2018، لتدخل العلاقة بين أديس أبابا وقيادة تيغراي لاحقًا في مسار تصادمي انتهى باندلاع الحرب في نوفمبر 2020.

خلال تلك الحرب، قاتلت القوات الفيدرالية إلى جانب القوات الإريترية وقوات أمهرة ومقاتلي فانو ضد قوات تيغراي، قبل أن ينتهي الصراع بتوقيع اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022.

لكن الاتفاق أوقف الحرب من دون أن يحل جذور الصراع السياسي والإقليمي.

وتتهم كل من الحكومة الفيدرالية وقيادة تيغراي الطرف الآخر بعدم تنفيذ بنود الاتفاق بالكامل، بينما لا تزال قضايا الإدارة السياسية لتيغراي والأراضي المتنازع عليها ومستقبل القوات المسلحة في الإقليم من أبرز ملفات الخلاف.

كما لم تعد القدرات العسكرية لقوات تيغراي، وفق تقرير Le Monde، بالمستوى الذي كانت عليه عند اندلاع حرب 2020، في وقت لا يزال غرب تيغراي خارج سيطرة سلطات الإقليم.

فانو.. من حليف لآبي أحمد إلى خصم مسلح

تشكل حركة فانو إحدى أبرز المفارقات في التحالف الحالي.

فخلال حرب تيغراي وقفت فانو، وهي حركة مسلحة قومية تنشط أساسًا في إقليم أمهرة، إلى جانب الجيش الفيدرالي ضد قوات تيغراي.

لكن علاقة الطرفين تغيرت بعد اتفاق بريتوريا.

وشعرت الحركة بأنها استُبعدت من التسوية السياسية والأمنية التي أعقبت الحرب، كما تصاعد خلافها مع الحكومة الفيدرالية بعد قرار حل القوات الخاصة الإقليمية عام 2023.

ومنذ ذلك الحين دخلت فانو في مواجهة مفتوحة مع الجيش الفيدرالي في أمهرة.

لكن تحالفها الحالي مع TPLF يظل محكومًا بخلاف بالغ الحساسية يتعلق بـغرب تيغراي وولقايت.

فتيغراي تطالب باستعادة تلك المناطق، بينما تعتبرها قوى أمهراوية جزءًا من إقليم أمهرة، وهو خلاف لم يختفِ رغم وجود الطرفين حاليًا في معسكر واحد ضد الحكومة الفيدرالية.

وتشير Le Monde كذلك إلى اتهامات وجهتها منظمات حقوقية، بينها Human Rights Watch، لقوات أمهراوية بارتكاب جرائم حرب وعمليات تطهير عرقي في مناطق من غرب تيغراي خلال الحرب السابقة.

جيش تحرير أورومو.. تمرد مستمر منذ 2018

الطرف الآخر في المشهد هو جيش تحرير أورومو OLA، الذي يخوض منذ سنوات تمردًا مسلحًا ضد الحكومة الفيدرالية داخل إقليم أوروميا، أكبر أقاليم إثيوبيا من حيث عدد السكان.

ويستند خطاب الحركة إلى مظالم تاريخية وسياسية تقول إن شعب الأورومو تعرض للتهميش رغم ثقله الديموغرافي.

وكان وصول آبي أحمد إلى السلطة عام 2018 قد أثار آمالًا بإنهاء الصراع، خصوصًا بعد السماح لجبهة تحرير أورومو بالعودة إلى النشاط السياسي.

لكن جناحًا مسلحًا رفض نزع السلاح واستمر في القتال تحت اسم جيش تحرير أورومو.

وتزداد تعقيدات التحالف الجديد بسبب تاريخ المواجهات بين OLA وفانو في المناطق الحدودية بين أوروميا وأمهرة.

وبذلك يجتمع اليوم طرفان سبق أن خاضا مواجهات ضد بعضهما داخل تحالف واحد، في مؤشر على أن معارضة الحكومة الفيدرالية أصبحت في هذه المرحلة عاملًا مشتركًا يتقدم على الخلافات الأخرى، من دون أن يلغيها.

حكومة آبي أحمد.. أكثر من جبهة داخلية

في الجهة المقابلة تقف الحكومة الفيدرالية بقيادة آبي أحمد وحزب الازدهار.

وصل آبي إلى السلطة عام 2018 حاملًا مشروعًا يقوم على تعزيز الهوية الإثيوبية الجامعة، ضمن فلسفة سياسية تعرف باسم «مدمر» Medemer، في مقابل النموذج الذي قام بدرجة كبيرة على الفيدرالية الإثنية.

وفي بدايات حكمه، حقق المصالحة مع إريتريا بعد عقود من العداء، وحصل على جائزة نوبل للسلام عام 2019.

لكن بعد أقل من عام، دخلت إثيوبيا حرب تيغراي، وكانت إريتريا آنذاك من أبرز حلفاء أديس أبابا عسكريًا.

ومنذ انتهاء تلك الحرب، وجدت الحكومة الفيدرالية نفسها في مواجهة تمردات متعددة: مع فانو في أمهرة، وجيش تحرير أورومو في أوروميا، ومع عودة التوتر بصورة متزايدة مع TPLF في الشمال.

وبالتوازي مع ذلك، عملت الحكومة الإثيوبية خلال السنوات الأخيرة على تعزيز قدراتها العسكرية، خصوصًا في مجال الطائرات المسيّرة والطيران الحربي.

البحر الأحمر يعيد إريتريا إلى قلب المعادلة

لا تقتصر الأزمة على الصراعات الداخلية الإثيوبية.

فملف الوصول إلى البحر الأحمر بات أحد أبرز العوامل المؤثرة في العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا.

ومنذ انتهاء حرب تيغراي، تحدث آبي أحمد بصورة متكررة عن حاجة إثيوبيا إلى منفذ بحري، واعتبر الوصول إلى البحر قضية «وجودية» بالنسبة إلى دولة يتجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة وتعتمد بصورة كبيرة على جيبوتي في تجارتها الخارجية.

وتربط Le Monde هذه القضية تحديدًا بميناء عصب الإريتري، معتبرة أن الخطاب الإثيوبي المتصاعد حول الوصول إلى البحر أدى إلى تدهور العلاقات بين أسمرة وأديس أبابا.

إريتريا.. خارج الحرب رسميًا ولكنها حاضرة في الحسابات

حتى الآن، لم تدخل إريتريا رسميًا في المواجهات الحالية، كما لم تعلن دعمها للتحالف المسلح المناهض للحكومة الإثيوبية.

لكن Le Monde تقول إن العلاقات بين أسمرة وقيادات تيغراي شهدت تقاربًا بعد سنوات من العداء، وتصف إريتريا بأنها أصبحت «داعمًا غير معلن» لـTPLF.

كما تنقل الصحيفة اتهامات الحكومة الإثيوبية لأسمرة بتمرير ذخائر إلى تيغراي. ولم يقدم التقرير دليلًا مستقلًا يثبت هذه الاتهامات، فيما لم تعلن الحكومة الإريترية انضمامها إلى التحالف أو مشاركتها في القتال الحالي.

ويحمل هذا التقارب مفارقة كبيرة.

فإريتريا وTPLF كانتا على طرفي نقيض في حرب 2020–2022، وشاركت القوات الإريترية إلى جانب الجيش الإثيوبي في القتال ضد قوات تيغراي.

لكن تغير العلاقة بين أسمرة وأديس أبابا، إلى جانب المخاوف الإريترية المرتبطة بالخطاب الإثيوبي بشأن البحر الأحمر، أعاد تشكيل خريطة المصالح في المنطقة.

وفق قراءة Le Monde، تريد قيادة تيغراي منع الحكومة الفيدرالية من إعادة فرض سيطرتها السياسية والأمنية على الإقليم، بينما تنظر إريتريا بقلق إلى الطموحات الإثيوبية للوصول إلى البحر الأحمر.

تحالفات الضرورة لا تلغي صراعات الأمس

المشهد الحالي يكشف عن تحول كبير في شبكة التحالفات الإثيوبية.

فانو التي قاتلت إلى جانب آبي أحمد ضد تيغراي أصبحت اليوم في المعسكر المناهض له.

TPLF وإريتريا اللتان خاضتا مواجهة دامية خلال حرب تيغراي تشهد علاقتهما، بحسب الصحيفة الفرنسية، تقاربًا جديدًا.

أما فانو وجيش تحرير أورومو، اللذان خاضا مواجهات بسبب الأراضي والنفوذ، فأصبحا ضمن تحالف سياسي وعسكري واحد.

لكن هذه التحالفات لا تعني اختفاء الخلافات.

فنزاع غرب تيغراي لا يزال قائمًا بين تيغراي وقوى أمهراوية، والخلافات الحدودية بين أمهرة وأوروميا لم تُحل، كما أن أهداف الجماعات المسلحة المختلفة ليست متطابقة.

ولذلك فإن التحالف الحالي يبدو، في جانب كبير منه، تحالف مصالح وخصومة مشتركة مع الحكومة الفيدرالية أكثر من كونه مشروعًا سياسيًا موحدًا لمستقبل إثيوبيا.

وفي ظل صعوبة التحقق المستقل من التطورات الميدانية واستمرار القتال في مناطق متعددة، يبقى السؤال الأكبر هو ما إذا كانت المواجهات الحالية ستظل محصورة داخل إثيوبيا، أم أن شبكة التحالفات المتشابكة ستدفع الأزمة نحو صراع أوسع في القرن الأفريقي.

المصدر: صحيفة Le Monde الفرنسية — Maëlle Duhamel، مراسلة الصحيفة في أديس أبابا — 25 سبتمبر 2026.

العنوان الأصلي:
 L’Ethiopie, géant africain rattrapé par la guerre : qui sont les belligérants, quels sont leurs objectifs ?

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى