
رصد اريتريا | الكاتب – زكريا نمر
إثيوبيا لا تعود إلى الحرب. هذه العبارة تبدو مريحة أكثر مما ينبغي. الحقيقة أن إثيوبيا لم تنجح في الخروج من منطق الحرب أصلا. ما حدث بعد اتفاق بريتوريا لم يكن ولادة سلام مكتمل، بل هدنة طويلة نسبيا فوق صراع سياسي وعسكري لم تتم تسويته. اليوم تعود تيغراي إلى واجهة المشهد، وتعود معها الأسئلة التي حاولت أديس أبابا والمجتمع الدولي تأجيلها. الاتحاد الإفريقي أكد أن قوات جبهة تحرير شعب تيغراي سيطرت على مطارات ميكيلي وأكسوم وشيري، فيما تحدث عن تصاعد القتال في جنوب تيغراي وعفار وتشكيل تحالفات سياسية وعسكرية جديدة. المطار ليس مجرد مدرج للطائرات إنه رمز للسيادة، وممر للقوة، ومؤشر على من يملك القدرة على فرض إرادته على الأرض. ولهذا فإن السيطرة على مطارات رئيسية في إقليم سبق أن خاض حربا مدمرة ليست حادثا أمنيا عابرا. إنها رسالة سياسية تقول إن ميزان القوة الذي حاول اتفاق بريتوريا تجميده لم يعد ثابتا.وهنا يبدأ السؤال الذي لا تحب النخب السياسية الإجابة عنه إذا كان اتفاق السلام قد أنهى الحرب، فلماذا بقيت الدولة تنتظر جولة جديدة منها؟
المشكلة أن بريتوريا أوقف إطلاق النار، لكنه لم يحسم كل القضايا التي أنتجت الحرب. الاتحاد الإفريقي نفسه ظل منذ 2024 يتحدث عن قضايا الأراضي المتنازع عليها والحاجة إلى حوار سياسي لمعالجتها، بينما كانت عملية تنفيذ الاتفاق تشمل نزع السلاح وإعادة الدمج وإعادة الخدمات وترتيبات الإدارة الانتقالية. وهذا هو الفرق بين إيقاف الحرب وإنهاء أسبابها يمكن إيقاف المدافع لكن لا يمكن إيقاف الخوف بقرار سياسي.ولا يمكن نزع ذاكرة الحرب من مجتمع بمجرد توقيع وثيقة.ولا يمكن إقناع طرف بأنه خسر نفوذه السياسي ثم تطلب منه أن يثق في المؤسسات التي يعتقد أنها ستعيد إنتاج خسارته.تحديدا يظهر مأزق مشروع آبي أحمد.الرجل لم يصل إلى السلطة في دولة بسيطة، بل إلى دولة شديدة التعقيد، تتداخل فيها القومية مع السياسة، والإقليم مع الجيش، والذاكرة التاريخية مع الصراع على السلطة. وكان مشروعه يقوم، في أحد أبعاده الأساسية، على إعادة تشكيل مركز القوة الإثيوبي وإنهاء ترتيبات سياسية سابقة ارتبطت بهيمنة جبهة تحرير شعب تيغراي لعقود لكن إعادة بناء الدولة ليست عملية هندسية لا تستطيع السلطة أن تعيد ترتيب المجتمع كما تعيد ترتيب مؤسسات الحكومة الدولة التي تحاول توحيد نفسها بالقوة قد تنجح في فرض الصمت، لكنها لا تنتج بالضرورة الولاء.وهنا وقع المشروع في امتحانه الأصعب كيف تبني مركزا قويا من دون أن تجعل الأقاليم تخشى المركز؟.وكيف تعيد تعريف الدولة من دون أن تجعل كل جماعة سياسية تعتقد أن خسارتها في المركز تعني خسارتها في الدولة؟ هذه ليست مشكلة تيغراي وحدها إنها أزمة النموذج الإثيوبي نفسه.
إثيوبيا دولة متعددة القوميات، وفيها ذاكرة تاريخية شديدة الحساسية حول من حكم ومن همش ومن امتلك الجيش ومن امتلك القرار. ولذلك فإن الحديث عن وحدة الدولة لا يكفي. يجب السؤال أي وحدة؟ وتحت أي قواعد؟ وبأي توزيع للسلطة؟.لأن الوحدة التي لا تمنح الأطراف شعورا بالشراكة يمكن أن تتحول إلى اسم آخر للمركزية.والمركزية عندما تفقد الثقة تتحول إلى مسألة أمنية.ثم تبدأ الدولة في التعامل مع السياسة بوصفها تهديدا.وبعد ذلك يصبح السلاح نتيجة طبيعية لغياب الثقة هذه هي الدائرة التي تدور فيها إثيوبيا لكن المشهد أصبح أكثر خطورة لأن تيغراي لم تعد تتحرك في فراغ في 21 سبتمبر، أعلنت سبع جماعات إثيوبية مسلحة تحالفا ضد حكومة آبي أحمد، بينها جبهة تحرير شعب تيغراي وحركة فانو في أمهرا، رغم أن الطرفين كانا خصمين في الحرب السابقة. وشمل التحالف أيضا قوى من أوروميا وعفار وبني شنقول قمز. الحكومة اتهمت إريتريا بدعم التحالف، بينما نفت أسمرة ذلك هذه التطورات تغير طبيعة المسألة لم يعد السؤال: هل ستعود حرب تيغراي؟السؤال أصبح هل تتحول أزمة تيغراي إلى أزمة وطنية متعددة الجبهات؟.إذا حدث ذلك، فإن المشكلة لن تكون في قدرة الحكومة على السيطرة على مدينة أو إقليم، وإنما في قدرتها على الحفاظ على تماسك الدولة أمام تحالفات مسلحة ذات أجندات مختلفة و تظهر إريتريا.لا يمكن فصل تيغراي عن أسمرة. الحدود والتاريخ والحرب السابقة والعلاقات بين النخب تجعل أي اضطراب جديد في شمال إثيوبيا ذا حساسية إريترية مباشرة.لكن من الخطأ أيضا اختزال كل شيء في نظرية المؤامرة الإقليمية.حتى لو كانت هناك أدوار خارجية، فإن الخارج لا يستطيع اختراع أزمة داخلية من لا شيء.القوة الخارجية تستثمر في الشقوق الموجودة أصلا وإثيوبيا لديها ما يكفي من الشقوق أما السودان، فهو الجدار الآخر في هذه الأزمة.
السودان يعيش حربا مفتوحة، والحدود الإثيوبية السودانية ليست حدودا هادئة، كما أن ملفات الأراضي والزراعة واللاجئين والأمن والمياه تجعل أي انفجار إثيوبي جديد قابلا للانتقال إلى المجال الإقليمي. عندمآ تكون دولة في حرب إلى الغرب، ودولة أخرى شديدة الحساسية إلى الشمال، ويزداد التنافس حول البحر الأحمر، فإن إثيوبيا لا تستطيع أن تخوض أزمة داخلية وكأنها تعيش في قارة أخرى.القرن الإفريقي أصبح مساحة واحدة من الأزمات المتداخلة تيغراي مرتبطة بإريتريا إثيوبيا مرتبطة بالسودان السودان مرتبط بالبحر الأحمر والبحر الأحمر أصبح ساحة تنافس دولي وإقليمي لهذا فإن الحرب الإثيوبية ليست شأنا إثيوبيا خالصا.وإذا اتسعت، فإن كلفتها لن يدفعها الإثيوبيون وحدهم هناك اللاجئون هناك الحدود هناك التجارة هناك الغذاء هناك حركة السلاح وهناك دول تعاني أصلا من هشاشة سياسية وأمنية لا تحتمل حربا إقليمية جديدة.أما الاتحاد الإفريقي، فعليه أن يواجه سؤالا أصعب من إصدار بيان جديد هل تكفي الوساطة عندما تبدأ الأطراف في إعادة بناء قوتها العسكرية؟.الاتحاد الإفريقي قال بوضوح إن اتفاق بريتوريا ما زال حجر الأساس للسلام، ودعا إلى العودة الفورية إلى الحوار، كما طلب من أولوسيغون أوباسانجو تكثيف الجهود الدبلوماسية.لكن المشكلة أن إفريقيا أصبحت تملك خبرة واسعة في توقيع اتفاقات السلام، وخبرة أقل في ضمان تحول تلك الاتفاقات إلى نظام سياسي مستقر الاتفاق ليس نهاية الحرب.
الاتفاق هو بداية العمل الحقيقي إذا بقيت قضايا الأرض والسلطة ونزع السلاح والعدالة والعودة السياسية بلا تسوية مقنعة، فإن الاتفاق يتحول إلى غرفة انتظار للحرب التاليةووهذا ما يجب ألا تخفيه لغة الدبلوماسية.فالبيانات التي تقول ندعو الأطراف إلى ضبط النفس لا تجيب عن السؤال: لماذا وصلت الأطراف أصلا إلى مرحلة ترى فيها أن القوة أكثر فاعلية من الحوار؟.الأمم المتحدة أعربت بالفعل عن قلق بالغ من تدهور الوضع الأمني، وحذرت من خطر العودة إلى صراع أوسع، بينما يستمر القلق من تأثير التصعيد على المدنيين وعلى تنفيذ اتفاق السلام لكن الخطر الأكبر ليس فقط عودة الحرب الخطر أن تصبح الحرب طريقة دائمة لإعادة التفاوض على الدولة كلما اختلف طرف مع المركز، حمل السلاح كلما تغير ميزان القوة، أعيد فتح الاتفاق كلما تغيرت الحكومة أو التحالفات، تغير تعريف الدولة.وهكذا لا تبنى دولة يبنى نظام مؤقت لإدارة الصراع.ويجب أن نتوقف عن استخدام عبارة الدولة الإثيوبية القوية بسهولة.القوة العسكرية ليست وحدها قوة الدولة.الدولة القوية هي التي تستطيع حل النزاع قبل أن يتحول إلى حرب.هي التي تجعل خصمها يفضل المحكمة على البندقية. وتجعل الإقليم يفضل التفاوض على الانفصال.وتجعل المعارضة تؤمن بأن خسارة الانتخابات لا تعني خسارة وجودها السياسي.أما الدولة التي تحتاج في كل أزمة إلى مزيد من القوة المسلحة، فهي قد تكون قوية عسكريا، لكنها لم تحسم بعد مشكلة الشرعية السياسية وهذا هو الاختبار الحقيقي لمشروع آبي أحمد ليس عدد الجنود ولا عدد الطائرات المسيرة ولا مساحة الأراضي التي تستطيع الحكومة السيطرة عليها.الاختبار هو هل يستطيع المشروع إنتاج عقد سياسي جديد؟.عقد لا يقوم على انتصار مجموعة قومية على أخرى.ولا على إعادة إنتاج هيمنة قديمة بصورة جديدة.ولا على إلغاء الخصوم ولا على تحويل الفيدرالية إلى مجرد ترتيبات إدارية تحت سلطة مركزية أقوى.
إثيوبيا تحتاج إلى أن تجيب عن سؤال بسيط لكنه قاس هل تريد دولة موحدة لأن مواطنيها اختاروا الوحدة، أم دولة موحدة لأن السلطة استطاعت فرضها؟ الفرق بين الاثنين هو الفرق بين السلام والهدنة.وما يحدث في تيغراي اليوم يضع هذا الفرق أمام إثيوبيا مرة أخرى.لذلك لا ينبغي أن ينشغل العالم فقط بمن سيطر على ميكيلي أو أكسوم أو شيري هذه المدن قد تنتقل من يد إلى أخرى. لكن السؤال الذي سيبقى هو السؤال الأصعب من يملك إثيوبيا الحكومة؟ الأقاليم؟ القوميات؟والجيش؟ النخب؟.أم المواطن الذي ظل دائما الحلقة الأضعف في هذه المعادلة؟.إذا لم تجد إثيوبيا إجابة سياسية عن هذا السؤال، فستظل كل اتفاقية سلام مجرد هدنة مؤجلة، وسيظل القرن الإفريقي يعيش على حافة حرب جديدة. تيغراي ليست المشكلة كلها تيغراي هي المرآة التي تكشف المشكلة.




