إثيوبيااريترياالقرن الأفريقيرأيسياسة
أخر الأخبار

اثيوبيا في مواجهة نفسها: حين يتحول خصوم الامس الى جبهة واحدة

رصد اريتريا | تحليل | إبراهيم قارو

قراءة استراتيجية في أزمة الدولة الإثيوبية، وحدود التحالف المعارض، ومخاطر التصعيد في القرن الأفريقي والبحر الأحمر

المدخل: اتساع الجبهات لا يعني توحّدها

لم يعد تجدد القتال في شمال إثيوبيا مجرد عودة إلى مواجهة مؤجلة بين الحكومة الفيدرالية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF)؛ فالتطور الأهم يتمثل في تزامن التصعيد العسكري مع إعلان تحالف يضم قوى مسلحة وسياسية من خلفيات إقليمية مختلفة، تتقاطع في معارضة حكومة آبي أحمد، من دون أن يعني ذلك اتفاقها على طبيعة الدولة التي تريد بناءها بعد إسقاطها. وقد أعلنت سبع جماعات تشكيل «تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء» في 20 سبتمبر 2026، وفق ACLED. ويكشف التحالف اتساع دائرة الاعتراض على المركز الفيدرالي، لكنه لا يقدم حتى الآن دليلًا حاسمًا على تشكّل قيادة عسكرية وسياسية موحدة قادرة على إدارة الصراع وتحديد مآلاته.

ومع تصاعد القتال في 23 سبتمبر 2026، اتسعت المواجهات في تيغراي وأمهرة وعفر، وتزايدت المخاوف من تداخل الحرب الداخلية مع التنافس الإقليمي. ومع ذلك، فإن خريطة السيطرة لم تستقر على اتجاه واحد. وفي 3 أكتوبر، نقلت رويترز عن ثلاثة مصادر استعادة القوات الفيدرالية مطار ألولا أبا نيغا في مقلي، بعدما كانت قوات تيغراي قد سيطرت عليه في 23 سبتمبر. وقبل ذلك، سجلت ACLED استعادة القوات الحكومية وحلفائها مناطق في عفر. وتوضح هذه التطورات أن التقدم العسكري لأي طرف لا يساوي بالضرورة مكسبًا مستدامًا، وأن السيطرة على المواقع الحيوية لا تحسم وحدها صراعًا تتداخل فيه الجغرافيا العسكرية مع النزاعات السياسية والإقليمية.

وفي الوقت نفسه، انتقلت الأزمة إلى مستوى دبلوماسي أكثر خطورة. فقد أعلنت إثيوبيا إغلاق سفارتها في أسمرة، وإلزام عشرة دبلوماسيين إريتريين في أديس أبابا بمغادرة البلاد، قبل أن تعلن إريتريا قطع العلاقات الدبلوماسية، وفق رويترز. وتزامن ذلك مع تبادل إجراءات الطرد بين أديس أبابا والقاهرة، على خلفية اتهامات إثيوبية لمصر وإريتريا والسودان بدعم المعارضة المسلحة، نفتها الأطراف المعنية. كما أفادت بلومبرغ، في تقرير أورده مجلس العلاقات الخارجية، بخطة محتملة لسحب قوات إثيوبية من الصومال وإعادة نشرها في الداخل، من دون تأكيد تنفيذها حتى 3 أكتوبر، وهو التاريخ الذي تتوقف عنده هذه القراءة.

تكشف هذه التطورات عن أزمة تتحرك على مستويين مترابطين من دون أن يتطابقا. فمن جهة، تواجه الحكومة تحدياً عسكرياً يتوزع على مناطق مختلفة ويزيد كلفة السيطرة الأمنية. ومن جهة أخرى، يواجه التحالف المعارض اختباراً أصعب من إعلان إسقاط الحكومة، يتمثل في تجاوز خلافات أعضائه حول الفيدرالية والأرض والسلطة وشكل الدولة المقبلة. وفي الحالتين، لا تكفي المؤشرات الظاهرة للحكم على النتيجة: فالحكومة قد تستعيد مواقع من دون أن تستعيد الثقة السياسية، والمعارضة قد تربك المركز من دون أن تمتلك مشروعاً مشتركاً لإدارة الدولة.

وتنطلق هذه القراءة من فرضية مفادها أن «تحالف البقاء» يكشف اتساع أزمة المركز الإثيوبي، لكنه لم يثبت بعد أنه تحول إلى بديل سياسي وعسكري متماسك؛ وفي المقابل، فإن احتفاظ الحكومة بمؤسسات الدولة واستعادة مواقع ميدانية لا يعنيان أنها نجحت في معالجة الأسباب التي تجعل النزاع قابلاً للتجدد. وبين هذين الحدين يتحدد السؤال الاستراتيجي: هل تمثل التطورات جولة جديدة من الحروب الإقليمية داخل الدولة، أم أنها تكشف أزمة أعمق في صيغة الحكم والعلاقة بين المركز والأقاليم؟ والإجابة لا تتطلب تتبع الجبهات وحدها، وإنما فهم الصلة بين القدرة العسكرية، والشرعية السياسية، والتنافس الإقليمي، والخيارات المتاحة أمام أطراف الصراع.

الوقائع وحدود التحالف — من تقاطع المصالح إلى القيادة المشتركة

تقتضي القراءة الدقيقة الفصل بين اتساع المواجهات المسلحة، وإعلان تحالف سياسي يضم خصوم الحكومة، ووجود قيادة مشتركة قادرة على تحويل هذا التقاطع إلى استراتيجية موحدة. فتعدد الأطراف لا يثبت تلقائيًا وجود تنسيق ميداني بينها، ولا يعني أن كل مكون معلن يمتلك القدرة العسكرية نفسها أو يلتزم بالأهداف ذاتها.

وتتباين مكونات التحالف في طبيعتها ومصالحها وخبراتها، كما أن حدود العضوية والالتزام العملياتي ليست محسومة لدى جميع القوى. فقد سجلت ACLED في 26 سبتمبر نفي الحركة الديمقراطية لشعب غوموز عضويتها في التحالف، وقولها إنها لا تملك جناحًا مسلحًا. ويؤكد ذلك ضرورة التمييز بين إعلان أسماء المكونات وبين مشاركتها الفعلية في القتال أو خضوعها لقيادة واحدة.

ومع ذلك، فإن غياب قيادة مشتركة مثبتة لا يقلل من أثر تعدد الجبهات. فالحكومة قد تواجه عبئاً متراكماً حتى إذا تحرك خصومها بصورة مستقلة، لأن تعدد مناطق القتال يفرض توزيع القوات والموارد، ويزيد كلفة حماية الطرق والمنشآت، ويحد من القدرة على تركيز القوة في جبهة واحدة. لكن تحويل هذا العبء إلى تغيير استراتيجي يتطلب استمرار الضغط، والقدرة على الاحتفاظ بالمواقع، ووجود قدر من التنسيق يسمح باستثمار التحركات المتزامنة.

وتكشف استعادة المطار التي نقلتها رويترز، وعودة مناطق في عفر إلى سيطرة القوات الحكومية وفق ACLED، أهمية هذا التمييز. فقد حققت المعارضة مكاسب أولية، ثم استعادت القوات الحكومية مواقع ذات قيمة ميدانية. ولا يثبت ذلك حسم المواجهة أو فقدان التحالف قدرته على المبادرة؛ وإنما يؤكد أن قياس ميزان القوة يتطلب النظر إلى استدامة المكاسب وإدارة الموارد، لا إلى بيانات السيطرة المنفردة.

أما الاتهامات المتعلقة بالدعم الخارجي أو تنسيق العمليات بين أطراف إقليمية، فيجب أن تبقى منفصلة عن الوقائع المؤكدة. فالتصريحات الرسمية تكشف مواقف أصحابها ومخاوفهم، لكنها لا تشكل وحدها دليلاً مستقلاً على صحة الاتهام. وينطبق ذلك على الضربات المنسوبة إلى الطائرات المسيّرة في بعض المدن والمنشآت العسكرية؛ إذ ينبغي التمييز بين وقوع انفجار أو هجوم، وتحديد المسؤول عنه، وإثبات الجهة التي خططت له أو قدمت الدعم لتنفيذه.

والتوصيف الأدق للمرحلة الراهنة هو تعدد متزامن في بؤر الصراع، مع تقاطع مصالح بعض الخصوم، فيما تبقى درجة التنسيق بينهم وقدرتهم على بناء استراتيجية مشتركة موضع اختبار. وهذا ما يحدد إن كان الضغط العسكري سيتحول إلى إضعاف مستدام للمركز وبديل سياسي قادر على الحكم.

أزمة المركز — حين تعجز القوة عن إنتاج تسوية مستقرة

لا يمكن تفسير اتساع المواجهات باعتباره حصيلة خلافات أمنية منفصلة؛ فهي ترتبط بإدارة التعدد القومي والإقليمي، والعلاقة بين سلطة المركز وضمانات الفيدرالية، وقدرة المؤسسات على تسوية النزاعات. فامتلاك أدوات القرار والجيش لا يضمن قبول الأقاليم بترتيبات الحكم أو اقتناع القوى المحلية بأن المؤسسات تحمي مصالحها.

ويظهر هذا الخلل في المسار الذي أعقب اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022. فقد وضع الاتفاق حداً للحرب الواسعة بين الحكومة الفيدرالية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، لكنه لم ينهِ جميع النزاعات التي أنتجتها الحرب. وظلت قضايا الأراضي المتنازع عليها، وعودة النازحين، والترتيبات الأمنية، ونزع السلاح وإعادة دمج المقاتلين، ومستقبل العلاقة بين السلطات الإقليمية والمركز، نقاطاً خلافية أضعفت الانتقال من وقف الأعمال العدائية إلى تسوية سياسية مستدامة.

وتكمن المشكلة في أن تنفيذ الاتفاق ظل محكوماً بمخاوف متبادلة. فتخشى تيغراي أن يؤدي نزع السلاح قبل حسم النزاعات الإقليمية وضمان عودة النازحين إلى إضعاف موقفها، فيما ترى الحكومة أن استمرار القوة المسلحة خارج سيطرة الدولة يبقي خطر تجدد الحرب قائماً. أما المجتمعات التي نزحت من المناطق المتنازع عليها، فلا يجوز اختزال حقوقها في نتيجة تفاوض بين القوى المسلحة؛ إذ يتطلب الاستقرار معالجة مسائل العودة والملكية والإدارة المحلية على أساس ضمانات واضحة وقابلة للتنفيذ.

وتتصل هذه المعضلة بتحولات النظام الفيدرالي في عهد آبي أحمد. فقد اتجهت سياسات حكومته، وفق منتقديها، نحو تعزيز دور المركز وإعادة تنظيم المجال السياسي حول حزب الازدهار، من دون أن تختفي التنافسات القومية والإقليمية. ويمكن للحكومة تقديم تعزيز المركز باعتباره ضرورة لحماية وحدة الدولة وتوحيد القرار الأمني، فيما ترى قوى إقليمية أن بعض هذه السياسات يقلص ضمانات الفيدرالية في إدارة شؤون الأقاليم وتمثيل مصالحها.

ولا يصح اعتبار كل إجراء مركزي اعتداءً على الأقاليم، أو كل مطالبة إقليمية مشروعة لمجرد رفعها باسم الهوية القومية. فالمشكلة هي غياب قواعد سياسية ودستورية تحظى بقبول كافٍ لحسم النزاعات، ومنع فرض تفسير أحادي للعلاقة بين المركز والأقاليم بالقوة.

وتضيف الانتخابات العامة في يونيو 2026 بُعدًا آخر إلى الأزمة. فقد حصل حزب الازدهار على 438 مقعدًا، وفق النتائج التي أعلنها المجلس الوطني للانتخابات ونقلتها مؤسسة الإذاعة الإثيوبية. لكن التصويت لم يُجرَ في تيغراي، وتعطل في بعض مناطق أمهرة وأوروميا بسبب الظروف الأمنية، وفق رويترز. فالأغلبية البرلمانية تمنح الحكومة سندًا مؤسسيًا، لكنها لا تعوض غياب المشاركة السياسية في مناطق النزاع، ولا تحل تلقائيًا الخلافات على السلطة والأمن والأرض.

من هنا، ينبغي التمييز بين أزمة الحكومة وأزمة الدولة. فقد تحافظ الحكومة على مؤسساتها وتستعيد مواقع، بينما تتراجع قدرة النظام السياسي على احتواء النزاعات بآليات مقبولة. وقد تضعف الجماعات المسلحة المركز من دون مشروع مشترك لإعادة بناء الدولة. فاستمرار المؤسسات لا يثبت معالجة أزمة الشرعية، كما أن ضعف المركز لا يثبت تبلور بديل قابل للحياة.

وأي مخرج قابل للاستمرار سيتطلب معالجة النزاعات على الأراضي، وضمان عودة النازحين، وتحديد حدود سلطة المركز، ووضع ترتيبات أمنية لا تجعل نزع السلاح مخاطرة أحادية، مع آليات لتنفيذ الاتفاقات ومراقبة الالتزام بها.

«تحالف البقاء» — هل يملك مشروعاً لما بعد الحكومة؟

يمكن للتحالف المعارض توسيع الضغط على المركز، لكن الاتفاق على إسقاط الحكومة لا يساوي الاتفاق على الدولة المقبلة. فذلك يتطلب تسوية مسائل توزيع السلطة والموارد والأرض وموقع الأقاليم. كما أن الشكوك بين قوى خاضت مواجهات سابقة لا تختفي بمجرد الاتفاق على خصم مشترك؛ وقد تتحول إلى تناقضات داخل التحالف إذا شعر أحد مكوناته بأن الآخرين يستخدمونه لتعزيز مواقعهم التفاوضية.

لذلك تُقاس قوة التحالف بقدرته على تنسيق العمليات وتبادل الموارد والمعلومات، وحل الخلافات والالتزام بقرارات مشتركة تحت ضغط الخسائر. فالبيان السياسي لا ينشئ قيادة عسكرية، والتنسيق الظرفي لا يضمن استمرار التعاون حين تتعارض الأولويات أو تتطلب التسوية تنازلات.

ويظهر التحدي الأعمق عند الانتقال من سؤال إسقاط الحكومة إلى سؤال ما بعدها. هل يريد التحالف إعادة بناء الفيدرالية الإثنية مع ضمانات أوسع للأقاليم؟

أم يسعى إلى إعادة توزيع السلطة داخل المركز؟

وما موقف مكوناته من النزاعات على الأراضي والإدارة المحلية والموارد؟

وكيف سيعالج وضع القوات المسلحة الحالية، ويضمن عدم تحول الفراغ السياسي إلى تنافس عسكري بين حلفاء الأمس؟

إن غياب إجابات واضحة عن هذه الأسئلة يترك لكل مكون مساحة لتفسير الهدف المشترك بما يتوافق مع مصالحه الخاصة.

ولا يعني ذلك أن التحالف محكوم بالتفكك، وإنما أن تماسكه ينبغي أن يُقاس بسلوكه حين تظهر خلافات فعلية، لا باتساع قائمة أعضائه. ومن المؤشرات الحاسمة في المرحلة المقبلة استمرار التنسيق بين الجبهات، ووجود قيادة مشتركة يمكن التحقق من فاعليتها، والتوصل إلى برنامج سياسي انتقالي، ووضوح موقف التحالف من حماية المدنيين وعودة النازحين وتسوية النزاعات الإقليمية، فضلاً عن قدرته على ضبط التباينات داخل صفوفه.

وعليه، فإن «تحالف البقاء» يمثل تحدياً سياسياً وعسكرياً حقيقياً للمركز، لكنه لم يقدم بعد دليلاً كافياً على تبلور بديل وطني متماسك. وقد تكمن قوته في توسيع نطاق الضغط على الحكومة، بينما تتمثل نقطة ضعفه المحتملة في عدم التوافق على ما ينبغي أن يحل محلها. وهذه الفجوة ستحدد ما إذا كان التحالف قادراً على فرض مسار تفاوضي جديد، أم سيضيف جبهة أخرى إلى حرب متعددة المراكز من دون أن يفتح طريقاً واضحاً للخروج منها.

عفر وممر جيبوتي — متى تتحول الجبهة إلى ضغط استراتيجي؟

تكتسب جبهة عفر أهمية تتجاوز حجم الاشتباكات، لأن موقع الإقليم يربط شمال إثيوبيا بممرها التجاري الرئيسي نحو جيبوتي. وقد سجلت ACLED تقدم قوات تيغراي مع جبهة الوحدة الديمقراطية الثورية العفرية (Ugugumo)، المعروفة باسم «أوغوغومو»، في عفر. وإذا بلغ هذا التقدم حد تهديد الطريق الرابط بين سمرة وجيبوتي، فقد ينتقل الضغط من استنزاف القوات الحكومية إلى تهديد إحدى ركائز الاقتصاد الإثيوبي.

وتوضح بيانات التجارة حجم هذه الحساسية. ففي السنة المالية 2025–2026، مر عبر موانئ جيبوتي نحو 17.57 مليون طن من البضائع الإثيوبية، بما يعادل 96.71% من حركة الشحن المعلنة، وفق بيانات نقلتها وكالة الصحافة الأفريقية عن وزير الدولة الإثيوبي للنقل واللوجستيات دنغي بورو. ويشمل ذلك واردات أساسية، بينها الوقود، ما يجعل الممر جزءًا من منظومة الإمداد الاقتصادي والطاقة، وليس مجرد طريق للنقل التجاري.

لكن أهمية الطريق لا تعني أن التقدم العسكري في محيطه سيؤدي تلقائياً إلى شل الدولة. فبين السيطرة على منطقة قريبة من الممر وقطع حركة الإمداد بصورة مستدامة مسافة عملياتية ولوجستية كبيرة. ويتطلب تعطيل الطريق القدرة على الاحتفاظ بالمواقع ومواجهة محاولات استعادتها، فضلاً عن منع إعادة فتح المسار أو تحويل الحركة إلى طرق بديلة. كما أن تهديد الممر قد يستدعي تحركاً من جيبوتي لحماية مصالحها، لأنها تستفيد من استمرار التجارة الإثيوبية عبر موانئها، ولا توجد أدلة تثبت انضمامها إلى التحالف المعارض.

وتتطلب قراءة التطورات الميدانية تحديثًا مستمرًا لهذا التقدير. فقد سجلت ACLEDفي الأول من أكتوبر استعادة القوات الحكومية وقوات سلام تيغراي مناطق أبالة وإربتي وميغالي في عفر. ويضعف ذلك أي استنتاج مبكر بشأن تثبيت المعارضة سيطرة مستدامة على الممر، لكنه لا يلغي أهمية الجبهة أو احتمال تجدد القتال. فالسؤال هو قدرة أي طرف على تأمين خطوط الحركة والإمداد باستمرار.

ومن هذه الزاوية، ينبغي التمييز بين الضغط على الحكومة وبين استراتيجية خنق الاقتصاد. فقد يكون الهدف من فتح جبهة في عفر إجبار الجيش على توزيع قواته، أو تخفيف الضغط عن تيغراي، أو رفع كلفة الحرب على المركز. لكن هذه الأهداف لا تثبت أن القوى المعارضة تمتلك القدرة على إغلاق الممر لفترة طويلة. كما أن تعطيل التجارة قد يرتد على السكان المحليين والمجتمعات التي تعتمد على حركة النقل والأسواق، ويزيد الكلفة الإنسانية، وقد يدفع أطرافاً إقليمية إلى مواقف أكثر تشدداً.

أما الحكومة، فتواجه معضلة بين حماية الطريق وتجنب استنزاف إضافي. فتعزيز الانتشار العسكري على امتداد الممر قد يحمي التجارة مؤقتاً، لكنه يستهلك قوات تحتاج إليها الجبهات الأخرى. ولا يضمن التفوق الجوي وحده تأمين الطرق إذا بقيت المناطق المحيطة بها عرضة للاشتباكات. لذلك فإن نجاح الحكومة لا يقاس باستعادة نقطة جغرافية منفردة، وإنما بقدرتها على ضمان استمرار حركة التجارة، وحماية البنية التحتية، ومنع تحول الممر إلى ورقة ضغط دائمة.

ويكشف هذا الملف الصلة بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد السياسي للحرب. فالممر التجاري مورد استراتيجي يحدد قدرة الدولة على استيراد الوقود والسلع وتمويل عملياتها والحفاظ على النشاط الاقتصادي. وإذا أصبحت حركة التجارة رهينة المواجهات، فقد ترتفع تكاليف النقل والتأمين وتتزايد المخاوف بشأن الإمدادات. غير أن هذه النتائج تظل مرتبطة بمدى استمرار التهديد واتساعه، ولا ينبغي تقديمها باعتبارها آثاراً تحققت جميعها بالفعل.

إريتريا والبحر الأحمر — حين يتحول الوصول البحري إلى أزمة سيادة

تُعد العلاقة الإثيوبية الإريترية أحد أكثر الملفات حساسية في الأزمة الراهنة، لأنها تجمع بين ذاكرة الحرب، والتنافس على الأمن الحدودي، والنزاع حول مستقبل الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر. وقد انتقلت العلاقة من التعاون العسكري خلال حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022 إلى تدهور متصاعد في الثقة، بالتزامن مع تصريحات إثيوبية تؤكد الأهمية الاستراتيجية للوصول إلى البحر، ومخاوف إريترية من أن تتحول هذه المطالب إلى ضغط على سيادتها وموانئها.

وفي الأول من أكتوبر 2026، أعلنت إثيوبيا إغلاق سفارتها في أسمرة، واعتبار عشرة دبلوماسيين إريتريين في أديس أبابا أشخاصًا غير مرغوب فيهم، مع إمهالهم 48 ساعة للمغادرة، متهمة أسمرة بأعمال عدائية ودعم المعارضة. وردت إريتريا بقطع العلاقات الدبلوماسية، وفق رويترز. وتزامنت الخطوات مع اتهامات إثيوبية لإريتريا والسودان ومصر بدعم المعارضة، نفتها الأطراف المعنية. ويكشف ذلك انهيارًا خطيرًا في الثقة، لكنه لا يثبت بذاته دعمًا عسكريًا منظمًا أو قيادة إقليمية مشتركة.

ولا يمكن فهم هذا التوتر باعتباره مجرد خلاف حول دعم جماعة مسلحة. فالتعاون العسكري السابق بين أسمرة وأديس أبابا لم يتحول إلى ترتيبات مستقرة تزيل الشكوك الحدودية والأمنية، كما أن العلاقة بين البلدين ظلت معرضة للتأثر بموازين القوى داخل تيغراي وبالتنافس على النفوذ في شمال إثيوبيا. وبذلك أصبح الصراع الداخلي عاملاً في الحسابات الثنائية، فيما بات تدهور العلاقة بين الدولتين يزيد تعقيد تسوية النزاع الداخلي.

أما ملف البحر الأحمر، فيتطلب التمييز بين حاجة إثيوبيا الاقتصادية إلى تنويع منافذها البحرية وبين أي ادعاء بالسيادة على أراضي دولة أخرى. ويمكن لإثيوبيا السعي إلى ترتيبات تجارية تتيح لها الوصول إلى الموانئ وخطوط التجارة الدولية، بما في ذلك التفاوض على استخدام الموانئ الإريترية وفق اتفاقات متبادلة ومحددة. لكن السعي إلى ترتيبات للعبور والوصول التجاري لا يمنح بحد ذاته حقًا سياديًا على ساحل دولة أخرى أو موانئها، ولا يمنح تلقائيًا صلاحية إقامة قواعد عسكرية فيها.

ولا تكمن المعضلة في أن إثيوبيا تسعى إلى تقليل اعتمادها على جيبوتي؛ فهذا هدف اقتصادي يمكن السعي إليه عبر اتفاقات تجارية وتطوير البنية التحتية وتعدد الممرات. وإنما تكمن في ما إذا كان هذا الهدف سيُدار من خلال التفاوض والتكامل الإقليمي، أم سيُربط بخطاب يعتبر الوصول البحري مسألة أمن قومي تبرر الضغط على الجوار. فالخلط بين الحاجة الاقتصادية والحق السيادي قد يحول ملفاً قابلاً للتفاوض إلى مصدر تهديد متبادل، ويدفع الدولة الساحلية إلى التعامل مع المطالب الإثيوبية باعتبارها قضية أمنية، لا مجرد فرصة اقتصادية.

وبالنسبة إلى أسمرة، فإن التحركات الإثيوبية نحو البحر الأحمر لا تنفصل عن حسابات أمن الدولة ومخاوفها من تغير موازين القوى في تيغراي. لكن المصلحة الإريترية لا تقتضي بالضرورة اتساع الحرب؛ فقد يؤدي انهيار الاستقرار في شمال إثيوبيا أو انفتاح مواجهة مباشرة إلى تهديد الحدود وزيادة الضغوط الأمنية والاقتصادية. كما أن تحويل الخلاف إلى مواجهة إقليمية سيقلص فرص التوصل إلى ترتيبات تضمن سيادة إريتريا ومصالح إثيوبيا التجارية في آن واحد.

وتزداد خطورة الأزمة مع تراجع القنوات الدبلوماسية. فإغلاق السفارات وقطع العلاقات يقللان فرص إدارة الحوادث الحدودية وتبادل الرسائل واحتواء سوء التقدير. وفي ظل الاتهامات المتبادلة وتعدد الجبهات، يصبح غياب الاتصال خطراً بحد ذاته، لأنه يترك مساحة أكبر للتفسير الأمني المتشدد وللتصرفات التي قد يقرأها الطرف الآخر بوصفها تمهيداً للتصعيد.

ولهذا، فإن المصلحة الاستراتيجية للطرفين لا تتطلب الاتفاق على كل القضايا التاريخية والسياسية، وإنما فصل الملفات القابلة للتفاوض عن القضايا التي تمس السيادة. ويمكن بحث استخدام الموانئ وتكاليف النقل والترتيبات الجمركية والأمن البحري ضمن اتفاقات واضحة، فيما تبقى الحدود والسيادة الإقليمية خاضعتين للقواعد القانونية المعترف بها. أما إذا استُخدم الوصول إلى البحر أداة ضغط في صراع داخلي أو إقليمي، فإن ملفاً اقتصادياً قابلاً للتسوية قد يتحول إلى عامل يوسع الحرب ويصعب احتواءها.

مصر والسودان والصومال والخليج — اتساع الأزمة من دون افتراض محور موحد

لم تعد الأزمة الإثيوبية محصورة في التوتر مع إريتريا. ففي الأول من أكتوبر أعلنت إثيوبيا دبلوماسيًا مصريًا شخصًا غير مرغوب فيه، وردت القاهرة بإجراء مماثل بحق دبلوماسي إثيوبي، وفق سجل ACLED. ويأتي التصعيد في سياق خلاف ممتد حول مياه النيل وسد النهضة، تزامن مع اتهامات إثيوبية لمصر بدعم المعارضة المسلحة، رفضتها القاهرة. وبذلك أصبح الخلاف الدبلوماسي تطورًا قائمًا بذاته ضمن التنافس الإقليمي.

ويزيد من أهمية هذا التطور تداخل ملفات النيل والبحر الأحمر والأمن الإقليمي. فمصر تنظر إلى مياه النيل باعتبارها مسألة استراتيجية، فيما تسعى إثيوبيا إلى تعزيز دورها الإقليمي وتنويع منافذها التجارية. وقد يرفع تزامن هذه الملفات مستوى الشكوك المتبادلة، لكنه لا يثبت أن القاهرة تقدم دعماً عسكرياً للتحالف المعارض. فالانتقال من وجود خصومة سياسية إلى إثبات تدخل عسكري يتطلب أدلة مستقلة على طبيعة الدعم وحجمه والجهة التي تتولى تنفيذه.

ويظل السودان جزءاً مهماً من المعادلة، بسبب الحرب الداخلية المستمرة وطول الحدود مع إثيوبيا وتداخل مصالح الطرفين في قضايا الأمن الحدودي وحوض النيل والبحر الأحمر. وقد تؤدي الأزمة الإثيوبية إلى زيادة الضغوط على المناطق الحدودية، وحركة السكان، والتهريب، وتدفق السلاح. لكن هشاشة الوضع السوداني تجعل من الضروري تجنب تصوير السودان كفاعل سياسي وعسكري واحد متماسك يسيطر على جميع التحركات داخل أراضيه أو عبر حدوده. كما أن الاتهامات الإثيوبية بشأن الدعم السوداني للمعارضة، والاتهامات المقابلة المتعلقة بدعم أطراف في الحرب السودانية، ينبغي التعامل معها باعتبارها ادعاءات تحتاج إلى تحقق مستقل.

أما الصومال، فيدخل الحسابات من زاوية أمن الحدود ومكافحة حركة الشباب، إلى جانب التنافس على الموانئ والشراكات الأمنية. وقد أفادت بلومبرغ في 30 سبتمبر، نقلًا عن مصادر مطلعة، بأن إثيوبيا تستعد لسحب أكثر من ثلاثة آلاف جندي من الصومال وإعادة نشرهم في الداخل، وفق ما أورده مجلس العلاقات الخارجية. كما نقلت «صوماليا توداي» عن مسؤول بوزارة الدفاع الصومالية أن مقديشو لم تتلق إخطارًا بالخطة. ولم يتأكد تنفيذ الانسحاب حتى 3 أكتوبر؛ ولذلك يبقى مؤشرًا محتملًا إلى ضغط الحرب على الموارد العسكرية، لا قرارًا منفذًا.

وإذا نُفذت إعادة الانتشار، فقد تخفف الضغط العسكري في الداخل الإثيوبي، لكنها قد تترك فجوة أمنية في الصومال وتزيد تحديات مواجهة حركة الشباب. وتظل التداعيات مشروطة بحجم القوات المسحوبة وطبيعة ترتيبات التعويض الأمني.

وتختلف حسابات جيبوتي، بوصفها الممر الرئيسي للتجارة الخارجية الإثيوبية. فحماية الطريق تخدم مصالح البلدين الاقتصادية، وقد تدفع جيبوتي إلى التحرك ضد تعطيله. لكن ذلك لا يبرر افتراض انخراطها في التحالف المعارض أو انحيازها التلقائي إلى جميع مواقف الحكومة الإثيوبية.

أما دول الخليج، فتتقاطع مصالحها في أمن الملاحة والموانئ والاستثمارات والعلاقات الأمنية، لكنها تختلف في مقارباتها وقد تتفق في ملف وتتعارض في آخر. ووجود استثمارات أو علاقات سياسية وأمنية لا يثبت وحده تمويل عمليات عسكرية في إثيوبيا.

وينطبق الأمر نفسه على القوى الدولية، التي تتأثر حساباتها بأمن الملاحة والاستقرار والتجارة وحماية المدنيين. وقد تدفعها الأزمة إلى الضغط الدبلوماسي أو مراجعة سياساتها، لكن التصريحات المنفردة والتحركات المحدودة لا تثبت اصطفافًا دوليًا ثابتًا.

وقد دعت مفوضية الاتحاد الأفريقي في بيانها الصادر في الأول من أكتوبر 2026 إثيوبيا وإريتريا ومصر إلى أقصى درجات ضبط النفس، والحفاظ على قنوات الاتصال، وتسوية الخلافات عبر الحوار الدبلوماسي. وتؤكد الدعوة أن المخاوف تجاوزت القتال داخل إثيوبيا إلى احتمال تفاعل الخلافات بين الدول؛ لكنها تعكس أيضًا بقاء الاحتواء خيارًا مطروحًا، وأن الحرب الإقليمية ليست نتيجة حتمية.

والاستنتاج الأهم أن البيئة الإقليمية تمنح أطراف الأزمة فرصًا للبحث عن الدعم، وتفرض عليها قيودًا أيضًا. فقد تستفيد المعارضة من التنافس بين الدول، وتسعى الحكومة إلى تعزيز شرعيتها الأمنية بخطاب مواجهة التدخل الخارجي. لكن إثبات محور إقليمي موحد يتطلب أدلة تتجاوز تزامن المصالح وتبادل الاتهامات.

السيناريوهات — استنزاف، تفاوض، تصعيد إقليمي أم احتواء سياسي؟

لا تسمح التطورات حتى 3 أكتوبر 2026 بالجزم بمسار واحد ستتخذه الأزمة خلال الأشهر المقبلة. فالتغيرات الميدانية سريعة، وقد استعادت القوات الحكومية مواقع مهمة بعد تقدم المعارضة، بينما تدهورت العلاقات مع إريتريا ومصر، ووردت معلومات عن احتمال إعادة توزيع القوات الإثيوبية خارج الحدود. لذلك ينبغي التعامل مع المسارات المقبلة بوصفها احتمالات مشروطة، لا تنبؤات قطعية.

السيناريو الأول: استنزاف متبادل مع بقاء المركز. 

يقوم هذا المسار على استمرار القتال في جبهات متعددة من دون أن يتمكن أي طرف من فرض حسم عسكري شامل. وقد تستعيد القوات الفيدرالية مواقع ومدناً مهمة، بينما تحتفظ بعض الجماعات المسلحة بقدرتها على الحركة وفتح جبهات جديدة. وفي هذه الحالة، قد ينجح التحالف في رفع كلفة الحرب وتوزيع القوات الحكومية، من دون أن يتمكن من إسقاط الحكومة أو فرض انتقال سياسي.

ولا يعني هذا السيناريو توازن القوة بين الطرفين؛ فقد تكون القوات الفيدرالية أقدر على تعويض الخسائر واستعادة المواقع، فيما تعاني الجماعات المسلحة من ضعف الإمداد والتنافس الداخلي. لكنه قد يترك الدولة أمام استنزاف طويل، ويزيد كلفة إدارة الأقاليم وحماية الممرات التجارية. ومن مؤشراته استمرار الاشتباكات وتغير السيطرة موضعياً، مع بقاء المؤسسات الاتحادية وعدم ظهور قيادة معارضة مشتركة قادرة على تحويل العمليات إلى استراتيجية سياسية مستدامة.

السيناريو الثاني: تفاوض تحت ضغط الحرب. 

قد تدفع الكلفة العسكرية والاقتصادية والإنسانية أطرافاً من الحكومة والمعارضة إلى البحث عن تسوية، سواء عبر وقف التصعيد في جبهات محددة أو من خلال ترتيبات إنسانية وأمنية تمهد لحوار أوسع. وقد تسهم الوساطة الأفريقية أو الضغوط الدبلوماسية من الشركاء الدوليين في إعادة فتح قنوات الاتصال.

لكن نجاح هذا المسار يتطلب أكثر من جمع الأطراف حول طاولة واحدة. فالمعضلة تشمل تحديد الجهات القادرة على إلزام المقاتلين، ومعالجة النزاعات على الأراضي وعودة النازحين والترتيبات الأمنية ومستقبل الفيدرالية. كما أن أي تسوية تستبعد قوى مؤثرة أو تؤجل القضايا الأساسية قد تنتج هدنة مؤقتة لا تمنع تجدد الحرب. ومن مؤشراته وقف العمليات الواسعة، واستئناف الاتصالات، وظهور مبادرة بجدول زمني وآليات مراقبة، والتوصل إلى خطوات عملية بشأن القضايا الإنسانية والسياسية.

السيناريو الثالث: اتساع المواجهة إلى أزمة إقليمية. 

يرتبط هذا المسار بتفاعل الحرب الداخلية مع القطيعة بين إثيوبيا وإريتريا، والتدهور الدبلوماسي مع مصر، واحتمال انتقال التوتر إلى الحدود أو الممرات الاستراتيجية. ولا يتطلب اتساع الأزمة أن تدخل جميع دول المنطقة الحرب مباشرة؛ فقد يبدأ بتزايد الحوادث الحدودية، أو ظهور أدلة على دعم عسكري خارجي منظم، أو تعطيل مستدام للممر التجاري، أو اتخاذ إجراءات أمنية متبادلة تقلص فرص الاحتواء.

وتتمثل نقطة الخطر في أن تتعامل الحكومات مع التهديدات الخارجية باعتبارها امتداداً مباشراً للصراع الداخلي، فتتحول الجبهات المحلية إلى عناصر في حسابات الردع بين الدول. وفي هذه الحالة، قد تؤدي حادثة محدودة أو سوء تقدير إلى رد فعل يتجاوز حجمها الأصلي. ومن مؤشرات هذا المسار وقوع اشتباكات مؤكدة عبر الحدود، أو إثبات دعم عسكري خارجي مباشر، أو تعطيل الممر التجاري على نحو مستدام، أو انهيار قنوات الاتصال مع تزايد الحشود العسكرية. أما الاتهامات المتبادلة وحدها فلا تكفي لإثبات أن الحرب الإقليمية أصبحت واقعاً.

السيناريو الرابع: احتواء جزئي يمهد لتحول سياسي أوسع. 

قد تحد الحكومة من التوسع العسكري للمعارضة، أو تتجه بعض مكونات التحالف إلى تسويات محلية وإعادة الانخراط في العملية السياسية. لكن تراجع العنف لا يعالج وحده النزاعات على السلطة والأرض والتمثيل.

ويصبح الاحتواء أعمق إذا اقترن بتقدم قابل للتحقق في عودة النازحين، وتسوية النزاعات الإقليمية، وتوسيع المجال السياسي وبناء آليات مؤسسية لحل الخلافات. أما استعادة السيطرة الأمنية مع تأجيل القضايا الأساسية، فقد تخفف المواجهة مؤقتًا من دون منع عودتها.

وبين هذه السيناريوهات، لا يتوقف المسار الإثيوبي على ميزان القوة العسكرية وحده، وإنما على تفاعل ثلاثة عوامل: قدرة الحكومة على حماية مؤسسات الدولة وممراتها الحيوية من دون الاعتماد الحصري على الحسم الأمني؛ وقدرة المعارضة على تجاوز تناقضاتها وبناء برنامج سياسي مشترك؛ واستعداد الدول المحيطة والقوى الدولية لمنع انتقال التنافس إلى مواجهة إقليمية. وكلما غابت التسوية السياسية، زادت احتمالات استمرار الحرب أو اتساعها؛ وكلما تحولت المخاوف الأمنية إلى ترتيبات قابلة للتحقق، اتسعت مساحة الاحتواء والتفاوض.

النهاية 

من اختبار السلطة إلى إعادة تشكيل الدولة والإقليم

يتوقف المسار المقبل في إثيوبيا على ما إذا كانت المواجهة ستعيد إنتاج معادلة القوة ذاتها، أم ستدفع الأطراف إلى إدراك أن السيطرة العسكرية لا تكفي لإعادة بناء مركز قادر على إدارة التعدد القومي والإقليمي. فاستعادة المواقع لا تنهي النزاع، واتساع الجبهات لا يثبت قدرة المعارضة على تشكيل بديل موحد. وتبقى قدرة الحكومة على تحويل سيطرتها إلى تسوية سياسية، وقدرة التحالف على الاتفاق على قواعد الانتقال وضمانات الأقاليم، اختبارين لم يُحسما بعد.

وإذا استمر الاعتماد على الحسم الأمني من دون معالجة السلطة والتمثيل والأراضي المتنازع عليها، فقد تنتقل المواجهات بين المناطق وتتجدد بأشكال مختلفة. أما تحويل تقاطع مصالح المعارضة إلى برنامج مشترك، فيتطلب ضبط خلافاتها وتحديد موقفها من وحدة الدولة والنظام المقبل، مع ضمانات تمنع استبدال مركز مهيمن بآخر.

إقليميًا، يرفع تدهور العلاقات مع إريتريا والتوتر مع مصر وتداخل الحرب السودانية خطر اتساع الأزمة. ويزيد ممر جيبوتي حساسيتها، لأن اضطرابًا ممتدًا في عفر قد يرفع كلفة الإمداد والتجارة، ويمنح القوى المسلحة ضغطًا اقتصاديًا يتجاوز سيطرتها الميدانية. لكن هذه المخاطر لا تثبت وجود محور موحد أو قرار مشترك بالحرب، ولا تعني أن التصعيد الإقليمي حتمي.

لذلك تتمثل المؤشرات الحاسمة في قدرة الحكومة على احتواء الجبهات، وبناء المعارضة قيادة وبرنامجًا قابلين للتنفيذ، واستمرار حركة الإمداد في عفر، واتجاه العلاقات الإثيوبية–الإريترية، ووجود أدلة مستقلة على التدخل العسكري الخارجي، وقدرة الوسطاء على فتح مسار تفاوضي. فالمعيار الاستراتيجي هو إعادة التفاوض على شروط الدولة، لا إعادة توزيع القوة داخل بنية بقيت تناقضاتها من دون معالجة.

لن يتحدد مستقبل البلاد بمن يفرض سيطرته في هذه الجولة وحدها، وإنما بقدرة الأطراف على تحويل موازين القوة إلى قواعد سياسية مقبولة، وبمنع صراع السلطة من التحول إلى صراع مفتوح على الدولة وحدودها وموقعها الإقليمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى