
رصد اريتريا | الكاتب – زكريا نمر
آبي أحمد وإسياس أفورقي وجبهة تحرير شعب تيغراي لم يصنعوا سلاما مستقرا بقدر ما أعادوا ترتيب الصراع وفقا لمصالحهم السياسية. كل طرف دخل في التحالفات والاتفاقات من موقع مختلف، وكل اتفاق أوقف مرحلة من المواجهة، لكنه ترك خلفه أسبابا جديدة للصراع.إسياس أفورقي تعامل مع أمن إريتريا باعتباره مسألة بقاء سياسي وأمني، بينما وصل آبي أحمد إلى السلطة عام 2018 وهو يحمل مشروعا لإعادة ترتيب موازين القوة داخل الدولة الإثيوبية، في وقت كانت فيه جبهة تحرير شعب تيغراي قد فقدت مركزها السابق في الحكم لكنها لم تفقد نفوذها داخل الإقليم. لذلك فإن اختزال العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا في نزاع حدودي لا يفسر شيئا من التحولات التي جاءت بعد ذلك.حرب 1998 كانت نقطة الانفجار. اندلعت المواجهات حول بادمي، لكنها ارتبطت أيضا بخلافات اقتصادية وسياسية وأمنية أوسع بين حكومتي ميليس زيناوي في إثيوبيا وإسياس أفورقي في إريتريا. وانتهت الحرب باتفاق الجزائر عام 2000، الذي نص على إنهاء الأعمال العدائية وإنشاء لجنة حدودية لترسيم الحدود. لكن الاتفاق لم يتحول إلى مصالحة سياسية كاملة، وبقيت العلاقات عالقة في حالة لا حرب ولا سلام لسنوات.وتظهر مشكلة أساسية في تجربة البلدين: توقيع الاتفاق ليس هو نفسه حل الصراع. فقد يستطيع السياسيون إيقاف إطلاق النار، لكنهم لا يستطيعون بالضرورة إلغاء انعدام الثقة الذي تراكم خلال سنوات الحرب. ولهذا بقيت الحدود قضية أمنية وسياسية، وبقيت كل دولة تنظر إلى الأخرى باعتبارها تهديدا محتملا.
عندما وصل آبي أحمد إلى رئاسة الحكومة الإثيوبية، اختار كسر هذه المعادلة. في يوليو 2018 وقع مع إسياس أفورقي إعلان السلام والصداقة، وأعلن البلدان إنهاء حالة الحرب واستئناف العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والنقل والاتصالات.كان المشهد لافتا آبي، الذي قدم نفسه باعتباره رجل الإصلاح والمصالحة، وإسياس، الذي حكم إريتريا لعقود بمنظومة سياسية شديدة المركزية والأمنية، يجلسان معا أمام الكاميرات ليعلنا أن زمن العداء انتهى.لكن السياسة لا تقاس بالصور التاريخية.السؤال الحقيقي كان هل انتقلت العلاقة من سلام بين شخصين إلى علاقة مؤسسية بين دولتين؟.التطورات اللاحقة تجعل الإجابة أكثر تعقيدا. فالتقارب بين آبي وأفورقي جاء في لحظة كان فيها النظام الإثيوبي يعيد تشكيل توازناته الداخلية، وكانت جبهة تحرير شعب تيغراي، التي لعبت دورا محوريا في النظام الإثيوبي بعد 1991، قد دخلت في مواجهة متزايدة مع قيادة آبي الجديدة.وهنا تغيرت طبيعة العلاقة الإثيوبية الإريترية مرة أخرى. في حرب تيغراي التي اندلعت عام 2020، أصبح آبي وأفورقي في مواجهة عدو مشترك. تحولت الخصومة التاريخية بين إريتريا وجبهة تيغراي إلى عنصر أساسي في الحسابات العسكرية للحرب الإثيوبية الداخلية. وبذلك لم يعد السلام بين أديس أبابا وأسمرا مجرد تسوية حدودية أصبح جزءا من ترتيبات القوة داخل إثيوبيا نفسها.لكن هذا التحالف يحمل مشكلة سياسية واضحة التحالف الذي يقوم على عدو مشترك يظل معرضا للاهتزاز عندما يتغير ذلك العدو أو تتغير الحاجة إليه.
جبهة تحرير شعب تيغراي ليست مجرد طرف عسكري ظهر فجأة في حرب 2020. هي القوة التي قادت، عبر الائتلاف الحاكم السابق، النظام الإثيوبي لسنوات طويلة، وكان ميليس زيناوي أبرز رموزها السياسية. وبعد انتقال مركز السلطة إلى آبي أحمد، دخلت العلاقة بين الحكومة الفدرالية وقيادة تيغراي في صراع على النفوذ والدستور وترتيبات الحكم. لذلك فإن قراءة الحرب باعتبارها صراعا بين حكومة مركزية وإقليم متمرد فقط تتجاهل تاريخا طويلا من الصراع على شكل الدولة الإثيوبية ومن يملك القرار فيها. فإن تحميل جبهة تيغراي وحدها مسؤولية الأزمة سيكون قراءة ناقصة أيضا. فالقيادة التي حكمت إثيوبيا لسنوات لم تنجح في الانتقال بسهولة من موقع القوة داخل الدولة إلى موقع سياسي جديد داخل نظام تغيرت قواعده. وهكذا تحولت المنافسة السياسية إلى صراع على البقاء، ثم إلى حرب.
آبي أحمد بدوره لم ينجح في تحويل مشروعه لإعادة بناء الدولة الإثيوبية إلى تسوية سياسية شاملة مع خصومه. ومع مرور الوقت، اتسعت الخلافات بين الحكومة الفدرالية وقوى إقليمية مختلفة، وأصبح سؤال المركز والأقاليم واحدا من أهم مفاتيح فهم الأزمة الإثيوبية.ثم جاء اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022 بين الحكومة الإثيوبية وقوات تيغراي، بوساطة الاتحاد الأفريقي، ليوقف الحرب ويضع ترتيبات لوقف الأعمال العدائية ونزع السلاح واستعادة المؤسسات والخدمات.لكن هناك تفصيلا سياسيا مهما كثيرا ما يتم تجاهله إريتريا لم تكن طرفا في اتفاق بريتوريا.وهذا يعني أن الاتفاق أنهى حربا بين الحكومة الإثيوبية وقوات تيغراي، لكنه لم يقدم تسوية مباشرة للعلاقة بين أديس أبابا وأسمرا. ولذلك بقيت العلاقة الثنائية محكومة بملفات لم تحسمها حرب تيغراي ولا اتفاق بريتوريا.بعد ذلك بدأت الخلافات تعود إلى السطح، خصوصا حول أمن الحدود ومستقبل تيغراي والوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر. وفي فبراير 2026 اتهمت الحكومة الإثيوبية إريتريا بالعدوان العسكري ودعم جماعات مسلحة داخل الأراضي الإثيوبية، بينما لم تقبل أسمرا هذه الاتهامات، واستمرت العلاقات بين البلدين في التدهور هنا انتقل الصراع إلى مستوى جديد.
إثيوبيا دولة كبيرة بلا منفذ بحري منذ استقلال إريتريا عام 1993، ولذلك أصبح الوصول إلى البحر الأحمر جزءا من حساباتها الاستراتيجية والاقتصادية. وإريتريا، التي تملك ساحلا طويلا وموانئ على البحر الأحمر، تنظر إلى أي توسع إثيوبي في هذا المجال من زاوية أمنها وسيادتها وموقعها الإقليمي.وهذا يجعل البحر الأحمر أكثر من ملف اقتصادي. إنه أحد المفاتيح الجديدة لفهم العلاقة بين آبي وأفورقي.لكن المشكلة لا تتوقف عند العلاقة بين الرجلين. ففي سبتمبر 2026 أعلنت سبع جماعات مسلحة إثيوبية، بينها جبهة تحرير شعب تيغراي وقوات فانو الأمهرية، تشكيل تحالف ضد حكومة آبي أحمد. واتهمت الحكومة الإثيوبية إريتريا بدعم التحالف، بينما نفت أسمرا ذلك. وفي الوقت نفسه تصاعد القتال في تيغراي، مع إعلان القوات المرتبطة بالإقليم الدخول في مواجهة جديدة مع الحكومة الفدرالية.وتعود القصة إلى النقطة التي بدأت منها: التحالفات.اللافت أن خصوم الأمس يمكن أن يصبحوا حلفاء اليوم، والحلفاء يمكن أن يتحولوا إلى خصوم بمجرد تغير ميزان المصالح. جبهة تيغراي التي خاضت حربا ضد فانو وقوى أخرى أصبحت الآن ضمن تحالف يضم بعضها. وهذه ليست مفارقة عابرة، بل تكشف طبيعة السياسة الإثيوبية الحالية: التحالفات أصبحت أكثر مرونة من المبادئ التي تعلنها الأطراف، والخصومة السياسية يمكن أن تتحول بسرعة إلى تعاون عندما يجتمع الجميع على مواجهة الحكومة المركزية.أما علاقة آبي بأفورقي، فقد انتقلت بدورها من العداء إلى المصالحة، ومن المصالحة إلى التعاون في حرب تيغراي، ثم إلى التوتر من جديد. هذه السلسلة وحدها تكشف أن اتفاق 2018 لم يكن كافيا لبناء إطار استراتيجي طويل المدى بين البلدين.المشكلة لم تكن في غياب الاتفاقات، بل في غياب التسوية السياسية الأوسع التي تجعل الاتفاقات قابلة للحياة.اتفاق الجزائر أوقف الحرب، لكنه لم ينه القطيعة. إعلان 2018 أنهى حالة الحرب، لكنه لم يمنع عودة التوتر. اتفاق بريتوريا أوقف الحرب بين الحكومة وتيغراي، لكنه لم يعالج العلاقة الإثيوبية الإريترية. ومع كل مرحلة، كان السياسيون يعالجون الأزمة التي أمامهم، بينما تظل جذور عدم الثقة قائمة.لهذا فإن الانتقال من حرب الحدود إلى حرب تيغراي ليس مجرد انتقال من حرب إلى أخرى. إنه انتقال في طبيعة الصراع نفسه: من سؤال أين تقع الحدود؟” إلى سؤال “من يملك القوة داخل إثيوبيا؟، ثم إلى سؤال أوسع يتعلق بالنفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.آبي أحمد وإسياس أفورقي وجبهة تحرير شعب تيغراي جميعهم جزء من هذه المعادلة، لكن لا يمكن وضعهم في خانة واحدة. لكل طرف مشروعه ومصالحه وسجله السياسي، ولكل مرحلة ظروفها. ما يجمع هذه التجربة هو أن التسويات ظلت مرتبطة بموازين القوة أكثر من ارتباطها ببناء ثقة سياسية طويلة المدى.وهذا هو الدرس السياسي الأهم في العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا: السلام الذي يعتمد على حاجة مؤقتة يمكن أن ينتهي عندما تتغير الحاجة. أما السلام الحقيقي فيحتاج إلى مؤسسات واتفاقات قابلة للتنفيذ وقنوات سياسية تمنع الخلاف من العودة إلى الميدان.
اليوم، ومع تجدد القتال في تيغراي وتصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا وعودة جبهة تيغراي إلى تحالفات مسلحة جديدة، تبدو المنطقة أمام مرحلة مختلفة. لا يتعلق الأمر فقط بما إذا كانت الحرب ستتوقف، بل بما إذا كانت النخب السياسية في إثيوبيا وإريتريا قادرة على الخروج من منطق العدو المشترك الذي أعاد تشكيل تحالفاتها خلال السنوات الماضية.فإذا ظل كل اتفاق مجرد استراحة بين حربين، فإن المشكلة لن تكون في غياب اتفاق سلام جديد، بل في الطريقة التي تُدار بها السياسة نفسها.




