
محتجزون إريتريون تحدثوا لوكالة الصحافة الفرنسية عن اكتظاظ شديد ونقص في الغذاء والمياه والأدوية وابتزاز مالي مقابل الإفراج، فيما روت شابة إريترية تعرضها للاغتصاب خلال رحلة الهجرة ثم داخل أحد مراكز الاحتجاز في ليبيا.
رصد إريتريا | متابعة
روى مهاجرون إريتريون محتجزون في شرق ليبيا شهادات قاسية عن ظروف احتجازهم، متحدثين عن الجوع والمرض والضرب والابتزاز المالي والعنف الجنسي، في وقت قالت فيه وكالة الصحافة الفرنسية (AFP) إنها تمكنت من التواصل مباشرة مع عدد من المحتجزين.
وبحسب تقرير للوكالة أعده الصحفي ديلان غامبا، كان هؤلاء المهاجرون يأملون في عبور ليبيا وصولاً إلى أوروبا، قبل أن يجدوا أنفسهم في السجون ومراكز الاحتجاز، بينما يقول بعضهم إن الإفراج عن المحتجزين بات مرتبطاً بدفع عائلاتهم آلاف الدولارات.
من إريتريا إلى السودان.. ثم الاختطاف في ليبيا
من بين الذين تحدثت إليهم AFP شاب إريتري يبلغ 19 عاماً، أشارت إليه باسم «ديبيساي»، وحجبت هويته الكاملة خشية تعرض أسرته في إريتريا للخطر.
وقال ديبيساي إنه غادر الخدمة العسكرية في 27 يناير/كانون الثاني 2025، ثم سار لمدة عشرة أيام برفقة مهربين حتى وصل إلى السودان، واصفاً الرحلة بأنها كانت «شديدة الصعوبة».
لكن وصوله لاحقاً إلى ليبيا فتح فصلاً أكثر قسوة في رحلته.
وبحسب شهادته، تعرض للاختطاف و«التعذيب بصورة منتظمة»، قبل أن تتمكن والدته من جمع تسعة آلاف دولار مقابل إطلاق سراحه.
وبعد دفع المبلغ، قال ديبيساي إن خاطفيه سلموه إلى مجموعة أخرى طالبت بدورها بالمال. ومع تراكم الديون على عائلته وعجزها عن دفع فدية إضافية، انتهى به الأمر، بعد ثلاثة أشهر من الأسر، إلى الاحتجاز لدى الشرطة.
«150 شخصاً في غرفة صغيرة»
يصف ديبيساي الوضع داخل مكان احتجازه قائلاً إن الضعف والمرض ينتشران بين السجناء.
ووفق شهادته، يتكدس نحو 150 شخصاً داخل غرفة صغيرة واحدة، بينما يعاني المحتجزون من نقص حاد في الغذاء ومياه الشرب.
وتحدث أيضاً عن انتشار أمراض معدية، من بينها السل والملاريا، في ظل شح الأدوية والرعاية الطبية.
وقال للوكالة إن عناصر من الشرطة يضربون المحتجزين ويوجهون إليهم الإهانات، مختصراً تجربته بالقول:
«إنهم لا يعاملوننا كبشر».
وقالت AFP إنها تمكنت من التحدث إلى عدد من المحتجزين لأن الحراس يتركون لهم هواتفهم للتواصل مع عائلاتهم، في سياق محاولات الحصول على أموال مقابل الإفراج عنهم.
خبز وأرز.. وآلاف الدولارات مقابل الإفراج
شهادة أخرى جاءت من إريتري يدعى «زيريسناي»، يبلغ من العمر 35 عاماً، قال إنه محتجز منذ ثمانية أشهر في منشأة تضم، بحسب تقديره، نحو 700 مهاجر إريتري وإثيوبي.
ووصف زيريسناي حصصاً غذائية محدودة للغاية، تتكون من قطعة خبز صباحاً وكمية صغيرة من الأرز في وجبتي الغداء والعشاء.
وقال إن بعض عناصر الشرطة يطالبون بمبالغ تصل إلى أربعة آلاف دولار مقابل الإفراج عن المحتجز، مضيفاً أن معظم السجناء لم يعد لديهم المال.
وروى زيريسناي واقعة قال إنها حدثت عندما قرع مهاجرون أبواب مكان الاحتجاز مطالبين بعلاج المرضى.
وبحسب شهادته، دخل عناصر من الشرطة وأطلقوا النار، ما أدى إلى مقتل مهاجرين اثنين وإصابة عشرات آخرين.
ولم تقدم AFP في تقريرها تأكيداً مستقلاً لهذه الواقعة، ولذلك تظل التفاصيل مستندة إلى شهادة المحتجز.
شابة إريترية: اغتُصبت في الطريق ثم داخل الاحتجاز
وتكشف شهادة إريترية تبلغ من العمر 25 عاماً، أشارت إليها الوكالة باسم «فيوري»، جانباً آخر من المخاطر التي تواجه النساء على طرق الهجرة.
وقالت فيوري إنها غادرت إريتريا إلى إثيوبيا عام 2022، قبل أن تبدأ في مارس/آذار الماضي رحلة باتجاه أوروبا.
وفي السودان، قالت إن المهربين سلموا مجموعتها إلى أفراد من «الرشايدة» في شرق البلاد.
وتروي فيوري أنه في إحدى الليالي أُجبرت على مغادرة الغرفة التي كانت فيها قبل أن يغتصبها ثلاثة رجال.
وأُطلق سراحها لاحقاً بعد دفع 9500 دولار، وفق شهادتها.
لكن الاعتداءات، بحسب روايتها، لم تتوقف عند ذلك.
فبعد دخولها ليبيا، أوقفت واحتُجزت. وقالت إنها تعرضت خلال الأشهر الثلاثة التالية للاغتصاب على يد حارسين داخل مكان الاحتجاز، وإنها حملت نتيجة الاعتداء.
كما تحدثت عن نقص الأدوية والجوع والعطش والحرمان من الخروج، وقالت إن المرة الوحيدة التي سُمح لها فيها باستنشاق الهواء خارج مكان احتجازها خلال ثلاثة أشهر كانت، بحسب روايتها، في اليوم الذي تعرضت فيه للاغتصاب من الحارسين.
انتهاكات في بيئة يسودها الإفلات من العقاب
وتتقاطع هذه الشهادات مع تقارير أممية سابقة عن انتهاكات واسعة يتعرض لها مهاجرون ولاجئون وطالبو لجوء في ليبيا.
وبحسب ما أوردته AFP استناداً إلى الأمم المتحدة، يتعرض مهاجرون ولاجئون وطالبو لجوء لانتهاكات منهجية في ظل الإفلات من العقاب، ويُحتجزون تعسفياً في عشرات مراكز الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية.
ومنذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، أسهم استمرار الانقسام السياسي والأمني في ليبيا في توفير بيئة توسعت فيها شبكات الاتجار بالبشر والابتزاز والاستغلال والانتهاكات بحق المهاجرين.
كما وجهت منظمات ومدافعون عن حقوق الإنسان انتقادات إلى سياسات التعاون الأوروبي مع السلطات الليبية في ملف الهجرة، معتبرين أن سياسات منع المهاجرين من الوصول إلى أوروبا لا يمكن فصلها عن الانتهاكات التي يتعرض لها بعض الذين تتم إعادتهم أو احتجازهم داخل ليبيا.
أسمرا تحمّل السلطات الليبية المسؤولية
وفي رد على أسئلة وكالة الصحافة الفرنسية، وصف وزير الإعلام الإريتري يماني جبر مسقل ما ورد من انتهاكات بأنها «أعمال مؤسفة»، وقال إن المسؤولية عنها تقع على السلطات الليبية المعنية.
وقالت AFP إنها طلبت تعليقاً من سلطات شرق ليبيا على الاتهامات الواردة في شهادات المحتجزين، لكنها لم تتلق رداً.
وتخضع ليبيا لانقسام سياسي وأمني مستمر، مع وجود حكومة في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة وسلطة موازية في شرق البلاد، حيث يتمتع المشير خليفة حفتر بنفوذ واسع.
«أريد أن أبقى على قيد الحياة»
ورغم الاختطاف والتعذيب والاحتجاز الذي يقول إنه تعرض له، لا يزال ديبيساي متمسكاً بهدفه في الوصول إلى مكان آمن.
وقال الشاب الإريتري إنه يريد النجاة والوصول إلى أوروبا والحصول على التعليم وبناء حياة أفضل يستطيع من خلالها مساعدة عائلته.
وبين رحلة ديبيساي وشهادة فيوري ومئات الإريتريين الذين يقول المحتجزون إنهم يقبعون معهم، تكشف الشهادات التي جمعتها وكالة الصحافة الفرنسية عن المخاطر التي لا تنتهي عند عبور الحدود الإريترية، بل قد تبدأ بعدها رحلة أخرى عبر شبكات التهريب والاختطاف والابتزاز ومراكز الاحتجاز على الطريق إلى أوروبا.
المصدر الأساسي: وكالة الصحافة الفرنسية (AFP)
التقرير الأصلي: Dylan Gamba / AFP
إعداد وتحرير: رصد إريتريا




