
رصد إريتريا | متابعة
قال موقع DW عربية إن الموقع الاستراتيجي لإريتريا على البحر الأحمر، إلى جانب تصاعد التوترات في القرن الأفريقي واضطرابات الملاحة الإقليمية، يعيد وضع البلاد في قلب حسابات القوى الإقليمية والدولية، بعد سنوات من العزلة السياسية والاقتصادية النسبية.
وفي تقرير للصحفية مارتينا شفيكوفسكي، تناول الموقع التحولات الجيوسياسية المحيطة بإريتريا، معتبرًا أن امتلاك البلاد ساحلًا طويلًا على البحر الأحمر وميناءي مصوع وعصب يمنحها أهمية متزايدة في ظل المنافسة على النفوذ والموانئ وخطوط التجارة في المنطقة.
ويربط التقرير هذا الاهتمام المتزايد بثلاثة ملفات متداخلة: أمن البحر الأحمر وباب المندب، والتوتر المتصاعد بين أسمرة وأديس أبابا بشأن قضية الوصول الإثيوبي إلى البحر، إلى جانب التحركات الدبلوماسية الإريترية لبناء شبكة أوسع من العلاقات الإقليمية والدولية.
موقع إريتريا في معادلة البحر الأحمر
ونقل DW عن عبد الرحمن سيد، مدير مركز القرن الأفريقي للتكامل الإقليمي في لندن، قوله إن الموقع الإريتري يكتسب أهمية خاصة في المرحلة الراهنة بسبب الأزمة اليمنية والتهديدات التي تواجه الأمن البحري على الضفة المقابلة من البحر الأحمر.
وبحسب سيد، فإن حالة الاستقرار الأمني داخل إريتريا، مقارنة ببؤر النزاع المحيطة بها، تجعل التعامل معها ذا أهمية بالنسبة إلى دول تسعى إلى حماية مصالحها التجارية والأمنية في البحر الأحمر.
ويرى أن دولًا إقليمية، من بينها السعودية ومصر، لديها مصلحة في الحفاظ على علاقات مستقرة مع أسمرة، خصوصًا في ظل الأهمية المتزايدة للممرات البحرية الممتدة من الخليج عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
كما أشار إلى أهمية الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر، ولا سيما في السيناريوهات التي قد تتعرض فيها الملاحة عبر مضيق هرمز للاضطراب.
التوتر مع إثيوبيا يعيد تشكيل تحركات أسمرة
ويضع تقرير DW التوتر الإريتري–الإثيوبي في قلب التحركات الدبلوماسية الأخيرة لأسمرة.
فإثيوبيا، التي أصبحت دولة غير ساحلية عقب استقلال إريتريا عام 1993، كثفت خلال السنوات الأخيرة خطابها بشأن ضرورة الحصول على وصول إلى البحر، فيما تتمسك إريتريا بسيادتها الكاملة على أراضيها وسواحلها.
ونقل التقرير عن مايكل وولديماريام، الباحث في كلية السياسة العامة بجامعة ماريلاند، أن العامل الأساسي لفهم التحركات الاستراتيجية الإريترية الأخيرة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر يتمثل في تصاعد التوتر مع إثيوبيا.
وبحسب وولديماريام، تسعى أسمرة إلى بناء علاقات وشراكات يمكن أن تشكل ثقلًا موازنًا لأديس أبابا، مشيرًا إلى تحركاتها تجاه مصر والصومال والسعودية والإمارات والولايات المتحدة، فضلًا عن اتصالات مرتبطة بقوى إثيوبية معارضة.
وتأتي هذه التحركات ضمن مشهد إقليمي أوسع تتزايد فيه المنافسة بين قوى شرق أوسطية على النفوذ والموانئ والأمن في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وتؤكد تحليلات أخرى منشورة خلال 2026 أن هذه المنافسة لم تعد مقتصرة على دول القرن الأفريقي نفسها، وإنما تتقاطع بصورة متزايدة مع مصالح السعودية والإمارات ومصر وقوى دولية أخرى.
ممر تجاري بين إريتريا ومصر
وأشار تقرير DW كذلك إلى تحرك اقتصادي موازٍ للمسار السياسي، يتمثل في الاتفاق الذي أُعلن عنه في مايو 2026 لإنشاء خطوط شحن مباشرة بين الموانئ المصرية والإريترية على البحر الأحمر، في إطار مساعٍ لتوسيع مسارات التجارة وسلاسل الإمداد الإقليمية.
ويأتي ذلك بعد عقود كانت خلالها جيبوتي صاحبة الدور الأكبر في حركة التجارة الإثيوبية والإقليمية، بينما ظلت الموانئ الإريترية أقل اندماجًا في شبكات التجارة الدولية مما تسمح به إمكاناتها الجغرافية.
واشنطن تدخل الحسابات
وتوقف التقرير عند التحركات الأمريكية الأخيرة في المنطقة، مشيرًا إلى المشاورات الدبلوماسية التي شاركت فيها إريتريا إلى جانب أطراف إقليمية، وما تعكسه من اهتمام أمريكي متجدد بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وبحسب DW، تناولت لقاءات بين مسؤولين أمريكيين ووزير الخارجية الإريتري عثمان صالح ملفات التجارة والتنمية الاقتصادية الإقليمية والأمن، في مؤشر على وجود قنوات اتصال بين واشنطن وأسمرة ضمن إعادة ترتيب أوسع للمصالح في المنطقة.
الأهمية الجيوسياسية في مقابل ملف حقوق الإنسان
لكن التقرير يرى أن تنامي الأهمية الاستراتيجية لإريتريا لا يلغي الانتقادات الدولية المستمرة لسجل الحكومة في مجال حقوق الإنسان والحريات السياسية.
وأشار إلى أن البلاد لم تشهد انتخابات وطنية منذ استقلالها، بينما يحكم الرئيس إيساياس أفورقي منذ عام 1993، في ظل نظام الحزب الواحد.
ونقل DW عن الباحث في شؤون الهجرة ماغنوس تريبر أن الهجرة الإريترية ارتبطت عبر مراحل تاريخية مختلفة بالحروب والقمع والخدمة الوطنية وانعدام الآفاق، لافتًا إلى أن مسارات الهجرة نفسها تغيرت مع تشديد سياسات اللجوء والهجرة في أوروبا.
كما تناول التقرير اختيار إريتريا لرئاسة المنتدى الاجتماعي لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، معتبرًا أن الخطوة منحت أسمرة مكسبًا دبلوماسيًا ورمزيًا رغم الانتقادات التي أثارها الاختيار لدى جهات حقوقية.
ويرى عبد الرحمن سيد أن الحكومة الإريترية تستطيع توظيف مثل هذه المواقع الدولية للدفع بروايتها القائلة إن جانبًا من الانتقادات الحقوقية الموجهة إليها مبالغ فيه أو مدفوع باعتبارات سياسية؛ وهو تقييم منسوب إلى الخبير وليس استنتاجًا مستقلاً من DW أو رصد إريتريا.
تحول في موقع إريتريا الإقليمي
ويخلص تقرير DW إلى صورة لإريتريا تختلف عن موقعها الإقليمي خلال سنوات العزلة السابقة: دولة ذات اقتصاد محدود وسجل حقوقي محل انتقاد دولي، لكنها تمتلك في الوقت نفسه أحد أهم الأصول الجيوسياسية في المنطقة — الموقع والساحل والموانئ على البحر الأحمر.
ومع تصاعد التوتر مع إثيوبيا، واستمرار الاضطرابات في اليمن والسودان، وتزايد التنافس الخليجي والإقليمي، أصبحت أسمرة طرفًا حاضرًا بصورة أكبر في الحسابات المرتبطة بأمن البحر الأحمر والموانئ وسلاسل الإمداد والتحالفات في القرن الأفريقي. وهذا التحول لا يعني بالضرورة انتهاء عزلة إريتريا أو قيام تحالف إقليمي ثابت حولها؛ بل يشير إلى ارتفاع القيمة الاستراتيجية لموقعها في بيئة إقليمية سريعة التغير.
مارتينا شفيكوفسكي، 15 سبتمبر 2026




